مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: حين تصبح السماء ساحة مفتوحة.. من يحاسب بنيامين نتنياهو؟

ليست هذه مجرد غارات جوية، إنها، وفق ما يُتداول من معطيات وتقارير أولية، موجة قصف كثيف تحوّل فيها المجال الجوي إلى أداة عقاب جماعي، حيث يُدفع المدنيون الثمن الأكبر في صراع لا يملكون فيه قرارًا ولا ملاذًا.

في كل مرة تُقصف فيها منطقة مأهولة، يُعاد طرح السؤال ذاته: هل ما يحدث ضرورة عسكرية، أم أنه انزلاق خطير نحو انتهاك صريح لقواعد القانون الدولي الإنساني؟

الذريعة الدائمة… والنتيجة ذاتها

تقول إسرائيل إنها تستهدف عناصر مرتبطة بـ حزب الله.
لكن في ميزان القانون، النوايا لا تكفي.

المعيار الحقيقي هو النتيجة:
هل تم احترام مبدأ التمييز بين المدني والمقاتل؟
هل كانت الضربات متناسبة، أم أنها خلّفت دمارًا يفوق أي هدف عسكري محتمل؟

حين تتكرر الضربات، وتتسع رقعتها، وتتزايد أعداد الضحايا، يصبح الحديث عن “أضرار جانبية” توصيفًا قاصرًا، إن لم يكن مضللًا.

من ساحة المعركة إلى قفص الاتهام

القانون الدولي لا يُحاكم الدول… بل الأفراد.
وهنا تحديدًا، يتحول السؤال إلى شخصي: هل يمكن مساءلة بنيامين نتنياهو نفسه؟

الجواب القانوني: نعم، من حيث المبدأ.
فالسوابق موجودة، والمحاكم الدولية لم تعد تتردد – نظريًا على الأقل – في ملاحقة قادة سياسيين.

لكن الجواب الواقعي أكثر قسوة: الطريق إلى المحاسبة مليء بالعوائق السياسية قبل القانونية.

المحكمة الغائبة… والعدالة المعلقة

تقف المحكمة الجنائية الدولية كرمز للعدالة العالمية، لكنها في هذه الحالة تبدو عاجزة، لا بسبب نقص في النصوص، بل بسبب حدود الاختصاص.

لبنان لم ينضم بعد إلى نظام روما الأساسي، ما يجعل الجرائم المرتكبة على أراضيه خارج الولاية التلقائية للمحكمة.
أما مجلس الأمن، فهو ساحة توازنات، لا منصة عدالة.

وهكذا، يبقى القانون موجودًا… لكن بلا أسنان.

لماذا يجب أن يتحرك لبنان الآن؟

الحديث عن الانضمام إلى نظام روما لم يعد ترفًا قانونيًا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية.
فمن دون هذه الخطوة، يبقى أي حديث عن الملاحقة الدولية أقرب إلى الخطابة منه إلى الفعل.

الانضمام لا يضمن العدالة، لكنه يفتح بابها.
والفرق بين باب مغلق وآخر موارب… هو الفرق بين اليأس والأمل.

الحقيقة غير المريحة

لنكن صريحين:
العدالة الدولية ليست عمياء بالكامل.
إنها ترى… لكنها أحيانًا تختار ألا تتحرك.

في عالم تحكمه المصالح، قد تمرّ الانتهاكات بلا عقاب، لا لأنها غير مثبتة، بل لأنها غير “مناسبة سياسيًا”.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية:
حين يدرك الفاعلون أن الكلفة القانونية محدودة، يصبح التصعيد خيارًا أسهل.

ما بين القانون والضمير

قد يستغرق إثبات الجرائم سنوات.
وقد لا تصل أي قضية إلى قاعة المحكمة أصلًا.

لكن ذلك لا يلغي حقيقة أساسية:
استهداف المدنيين، إن ثبت، ليس مجرد “خطأ تكتيكي”… بل انتهاك جسيم يرقى إلى جرائم حرب، وربما جرائم ضد الإنسانية.

وفي نهاية المطاف، قد تتأخر العدالة، وقد تتعثر، لكنها تترك أثرًا لا يُمحى:
سجلًّا قانونيًا وأخلاقيًا يلاحق المسؤولين، مهما طال الزمن.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى