مقالات وآراء

حسن نافعة يكتب : هل ترجح كفة ترامب المقامر على كفة ترامب المقاول؟

يكفي أن نقارن بين المواقف والشروط الأميركية عند اندلاع الحرب وعند القبول بوقف إطلاق النارـ أو بين الورقة الأميركية ذات الخمسة عشر بنداً والورقة الإيرانية ذات النقاط العشرـ لنصل إلى نتيجة مفادها أن إيران حققت نصراً باهراً.

دونالد ترامب ليس أول رئيس أميركي يتمكن من دخول البيت الأبيض من دون أن تكون لديه خبرة سياسية سابقة تؤهله لشغل هذا المنصب الخطيرـ فكثيرون قبله وصلوا إلى قمة الهرم السلطوي من دون المرور بالضرورة عبر بوابة المؤسسات السياسية التقليدية.

فدوايت أيزنهاورـ وآخرون من قبله وصلوا إلى البيت الأبيض عبر بوابة المؤسسة العسكريةـ وهربرت هوفر وصل إلى المكان نفسه عبر بوابة إنجازاته الشخصية في مجال الهندسة وبناء السدود. غير أن أداء هؤلاء لم يختلف كثيراً عن أداء من سبقوهم أو خلفوهم من رؤساء تعاقبوا تباعاً على البيت الأبيض ما أضفى على النظام السياسي الأميركي شهرة خاصة من حيث القابلية للتأقلم والاستمرار. أما دونالد ترامب تاجر العقارات الذي تمكن من الوصول إلى البيت الأبيض في ولايتين منفصلتين، فيشكل نمطاً فريداً لم يشهد له النظام الأميركي مثيلاً من قبل ،وربما يحدث قطيعة في مساره الممتد على مدى ما يقرب من قرنين ونصف.

لكل رئيس أميركي بصمة شخصية على الفريق الذي يقوده، غير أن ترامب ليس من النوع الذي يمكن أن يكتفي بترك بصمةـ نظراً لولعه الشديد بالتدخل في أدق التفاصيل، ما يضفي على دوره في النظام السياسي ككل بعداً آخر يجعله أقرب ما يكون إلى دور الملك في نظام حكم مطلق، أو إلى دور الرئيس في نظام حكم شمولي.

ولأنه شخصية مزاجيةـ، فمن الطبيعي أن تنعكس سماتها المتقلبة على سياسات الدولة التي يقودهاـ، والتي يفترض أنها الأكثر ثقلاً وتأثيراً في مسار النظام الدولي. ومن المسلم به أن الإدارة الأميركية في عهد ترامب تختلف عن كل ما سبقها، وذلك من زوايا كثيرة ومختلفة.

فمن حيث الشكل والأسلوب  يغلب على هذه الإدارة أسلوبها الصدامي الذي يجسده خطاب ترامب الشعبوي، الذي يميل إلى استخدام لغة غير تقليدية تتسم بالبذاءة، وتتخللها الكثير من المفردات غير اللائقة. ومن حيث العلاقة بمؤسسات الداخل، تبدو هذه الإدارة في حالة تنافر دائم مع أهم المؤسسات السيادية في الدولة العميقة،ـ خصوصاً المؤسسات الإعلامية والقضائية والأمنية، التي كثيراً ما يلجأ ترامب إلى التشكيك في نزاهتها.

ومن حيث التوجهات العامة لسياستها الخارجيةـ، تتمحور هذه التوجهات حول مبدأ “أميركا أولًا”. صحيح أن هذا المبدأ يبدورمقبولاً ولا خلاف عليه، نظراً لأن السياسة الخارجية لجميع الدول تستند إلى مفهوم المصلحة الوطنية،ـ غير أن ترامب يضفي عليه تفسيرات تنمّ عن كثير من الجهل والغرور.

فهو يعتقد أن تبنّيه لمبدأ “أميركا أولاً” يضفي عليه شرعية تبرر له الاستيلاء على ثروات الآخرين واحتلال أراضيهم و تغيير أنظمتهم الحاكمة،ـ وهو ما تجلى بوضوح من خلال سياساته تجاه كندا وغرينلاند وفنزويلا وكوبا وغيرهاـ، أو تتيح له هامشاً من الحرية يسمح بانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقيات دولية يعلق عليها العالم آمالاً كبيرة،ـ كاتفاقية باريس للمناخ، أو من منظمات عالمية تؤدي دوراً إنسانياً يصعب الاستغناء عنه،  كمنظمة الصحة العالمية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئيين الفلسطينيين (أونروا)، أو يعطيه الحق في تبني سياسات اقتصادية حمائية تتمحور حول فرض رسوم جمركية عالية، وهو ما قام به في مواجهة عدد كبير من الدول في أنحاء متفرقة من العالم.

فإذا انتقلنا الآن من العام إلى الخاص، وحاولنا البحث عن بصمة ترامب الشخصية على السياسة الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسطـ، فسوف نجد أنه صاغ هذه السياسة وفق رؤية المقاول صانع الصفقات المنحاز سياسياً لـ”إسرائيل” والمرتبط فكرياً بالأيديولوجيا الصهيونية المسيحية التي ترى في إقامة دولة يهودية كبرى تمتد من النيل إلى الفرات شرطاً لعودة المسيح، ما يفسر إقدامه إبان فترة ولايته الأولى على:

1- نقل مقر السفارة الأميركية إلى القدس التي اعترف بها عاصمة أبدية موحدة لـ”إسرائيل”.

2- الإقرار بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية.

ـ 3- طرح خطة شاملة لتصفية القضية الفلسطينية عبر التعامل معها كقضية إنسانية يمكن تسويتها بإقامة مشاريع تنموية لتوطين اللاجئيين الفلسطينيين حيث هم (صفقة القرن).

4- ممارسة ضغوط على الدول العربية لحملها على تطبيع علاقاتها مع “إسرائيل” من دون انتظار قيام دولة فلسطينية مستقلة، وفقاً لما تقضي به مقررات قمة بيروت العربية لعام 2002 (اتفاقيات أبراهام).

5- الانسحاب الأحادي من الاتفاق الخاص بالبرنامج النووي الإيراني وفرض عقوبات قصوى على إيران لحملها على تفكيك برنامجها النووي كلياً والحد من برنامجها الصاروخي وتقليص نفوذها الإقليمي.

تجدر الإشارة هنا إلى أنه كان بمقدور ترامب تبنّي هذه المواقف شديدة الانحياز لـ”إسرائيل” من دون تحمل تكلفة سياسية تذكر، لأن صورة “إسرائيل” لدى الرأي العام الغربي عموماً ولدى الرأي العام الأميركي على وجه الخصوص، كانت ما تزال إيجابية نسبياً في ذلك الوقت، وهو ما تغير جذرياً في مرحلة لاحقة.

حين عاد ترامب مرة أخرى إلى البيت الأبيض عقب فوزه في انتخابات الرئاسة التي جرت نهاية عام 2024ـ، كانت صورة “إسرائيل” لدى الرأي العام الغربي بصفة عامة، ولدى الرأي العام الأميركي بصفة خاصة، قد تغيرت كثيراً،  حيث حلت محلها صورة قاتمة لكيان بغيض يديره نظام فصل عنصري لا يتورّع عن ارتكاب جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي وتهجير قسري، في حق شعب محتل يراد اقتلاعه نهائياً من أرضه، والاستيلاء على ما تبقى من وطنه التاريخي، ما يفسر اندلاع تظاهرات عارمة اجتاحت معظم دول العالم وانطلقت شرارتها من الجامعات الأميركية نفسها.

ولأن شرائح لا يستهان بها من الناخبين الأميركيين من أصول عربية أفصحت عن اعتزامها التصويت لصالح ترامب نكاية بإدارة بايدن، فقد راهن البعض على ترامب من منطلق أنه ربما يكون الأقدر على وقف عمليات الإبادة الجماعية، وعلى ممارسة ضغوط على “إسرائيل” لحملها على التوصل إلى تسوية تستجيب للحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية والعربية، غير أن ما حدث كان العكس تماماً.

فسرعان ما تبين أنه لم يغير موقفه المتماهي كلياً مع مواقف الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، وليس لديه أي استعداد للوفاء بوعوده للجاليات العربية والإسلامية التي صوتت لصالحه، بل وثبت لاحقاً أنه شديد الحرص على أن يقدم للكيان خلال فترة ولايته الثانية ما لم يستطع تقديمه إبان فترة ولايته الأولى، وهو ما تجلى بوضوح من مواقفه تجاه  إيران، خصوصاً بعد أن تمكن نتنياهو من إقناعه أن جيش الكيان حقق انتصارات باهرة على “أذرع إيران” في المنطقة، وبالتالي لم يتبقَّ سوى “رأس الأفعى” التي حان قطافها، ومن الواضح أن ترامب استسلم تماماً لهذا الموقف.

لذا يمكن القول إن موافقة ترامب على الزج بالولايات المتحدة في حربين ضد إيران خلال أقل من عام واحد، من أجل “إسرائيل” وبالاشتراك معها، جسّد وصول العلاقات الأميركية الإسرائيلية إلى ذرى غير مسبوقة في تاريخهما. غير أن ترامب لم يدرك جيداً أن نتنياهو تمكن من سحبه نحو منزلق شديد الخطورة، وانتقل به من موقع المقاول صانع الصفقات المربحة إلى موقع المقامر المعرض لخسارة كل شيء في لمح البصر!!.

كان بمقدور ترامب تجاوز “حرب الاثني عشر يوماً” من دون خسائر سياسية تذكر، بل وربما يكون قد تمكن من استثمار مشاركته فيها لصالحه حين راح يتباهى بأنه حقق لـ”إسرائيل” ما لم يكن بمقدورها تحقيقه (تدمير المنشآت النووية الإيرانية المشيدة في أعماق حصينة)، أما في الحرب الثانية التي أقنعه نتنياهو أنها ستكون حرباً خاطفة وستنتهي بتغيير النظام الإيراني وإحلاله بنظام عميل يدور في الفلك الأميركي، فقد اختلف وضع ترامب بل واقترب من وضع المهزوم.

فقد صمد النظام الإيراني ولم يسقطـ، بل واستطاع القتال بشراسة لأكثر من خمسة أسابيع تمكن خلالها من إلحاق خسائر جسيمة لا بـ”إسرائيل” والولايات المتحدة وحدهما، وإنما أيضاً بمجمل المصالح الأميركية في المنطقة وفي العالم، ما ولّد ضغوطاً داخلية وخارجية هائلة اضطرت ترامب لقبول الشروط الإيرانية لوقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات تستهدف التوصل إلى اتفاق نهائي لوقف الحرب، رغم صيحات الانتصار التي بدأ يتشدق بها، وربما يستمر في ترديدها لبعض الوقت.

ويكفي أن نقارن بين المواقف والشروط الأميركية عند اندلاع الحرب وعند القبول بوقف إطلاق النار،أو بين الورقة الأميركية ذات الخمسة عشر بنداً والورقة الإيرانية ذات النقاط العشر، لنصل إلى نتيجة مفادها أن إيران حققت نصراً باهراً، وأن ترامب المقامر بدأ يدخل في مأزق قد يكلفه خسارة انتخابات التجديد النصفي القادمة، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى أن يتحول إلى مجرد “بطة عرجاء” خلال العامين المتبقيين من ولايته الحالية!!

ربما يكون من السابق لأوانه إعداد كشف حساب ختامي أو قائمة نهائية بما أسفرت عنه جولة الصراع المسلح الحالية من أرباح وخسائر. فقد انطلقت هذه الجولة مع “طوفان الأقصى” الذي ضرب المنطقة منذ أكثر من عامين ثم راحت ساحات القتال والمعارك تتسع وتتمدد إلى أن وصلت إلى الشواطئ الإيرانية وغمرت دول الخليج العربية، ورغم الإنجاز الذي تحقق بالتوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار، يتوقع أن يسعى نتنياهو لتخريبه كالعادة، حتى لا يتحول إلى اتفاق دائم ينهي الحرب ويبدأ في معالجة جذور الصراع، غير أن بمقدورنا أن نؤكد منذ الآن أن زمن نتنياهو قد ولى وأن العد التنازلي للمشروع الصهيوني على وشك أن يبدأ.

مبروك لإيران صبرها الاستراتجي الذي أفضى إلى هذا النصر المبين، والرحمة لكل الشهداء العرب والمسلمين، وعلى الشعوب العربية والإسلامية جميعاً أن تظل يقظة، وأن تستخلص الدروس الصحيحة مما جرى كي تتمكن من بناء مستقبل أفضل.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى