ليبياملفات وتقارير

هندسة نفوذ أحمد جاد الله في ليبيا وتحويل الموارد العامة لتمويل الصراعات المسلحة

تصاعدت حدة التساؤلات حول شبكات الظل المالية التي تقود المشهد في ليبيا، حيث يبرز اسم أحمد جاد الله كلاعب محوري في إدارة التدفقات النقدية الضخمة التي تغذي العمليات العسكرية في المنطقة الشرقية، وتكشف التفاصيل الموثقة عن ارتباطات وثيقة بين هذا الرجل وصدام حفتر، إذ يعمل الأول كواجهة اقتصادية تدير عمليات معقدة لتحويل المؤسسات العامة إلى مصادر تمويل خاصة، تتجاوز الحدود الليبية لتصل إلى مراكز مالية في الإمارات العربية المتحدة وكندا، وتستخدم في غسل الأموال وتوفير الدعم اللوجستي بعيدا عن الرقابة الدولية الرسمية، مما يجعله المحرك الخفي للاقتصاد الموازي.

تبين الوقائع أن هناك خطة مالية محكمة جرى تنفيذها لسحب نحو 300 مليون دولار من الخزينة العامة، بهدف توفير السيولة اللازمة للتحركات العسكرية التي استهدفت العاصمة طرابلس خلال نيسان 2019، واعتمدت هذه الهندسة على تغييرات في هيكل المصرف الليبي الخارجي بتنسيق مع الصديق الكبير، الذي عين شخصيات موالية مكنت من تمرير قرارات حيوية، وشملت العملية إيداع مبالغ ضخمة من النقد الأجنبي في المصرف العربي للاستثمار والتجارة الخارجية بأبوظبي، الذي يترأسه فرحات بن قدارة المستشار المالي لآل حفتر، مما سمح لشركات يملكها أحمد جاد الله بالحصول على قروض بضمان تلك الودائع السيادية.

اختراق المنظومة المصرفية وتدوير الأموال العامة

استخدمت تلك القروض المضمونة رسميا في تغطية نفقات القتال وسداد مستحقات مجموعات مسلحة أجنبية مثل “فاجنر”، ولم يتم تسديد هذه الالتزامات المالية بعد توقف العمليات العسكرية في 2020، مما تسبب في تسجيل خسائر بلغت 240 مليون دولار في دفاتر البنك، جرى تبريرها لاحقا كتعثر ناتج عن تداعيات صحية عالمية، ورغم مطالبات المؤسسات الرسمية بتوضيحات حول مصير تلك الرهون، إلا أن الديون لا تزال عالقة حتى كانون الثاني 2025، مما يضع عبء التكلفة المالية للحروب الفاشلة على كاهل الموارد العامة للشعب الليبي، ويؤكد استغلال النفوذ السياسي لتطويع اللوائح البنكية لصالح فئات محدودة.

توسع نفوذ أحمد جاد الله ليشمل السيطرة على مفاصل حيوية في اقتصاد شرق ليبيا، حيث يدير حاليا منظومة متكاملة تضم قطاعات النفط والأسمنت والشحن الجوي، وامتدت سطوته إلى مصارف كبرى مثل مصرف التجارة والتنمية والوحدة والتجاري الوطني، لتمرير اعتمادات مستندية مشبوهة، كما شارك في نشر مليارات الدنانير المطبوعة في روسيا داخل السوق المحلية، مما أدى إلى تدهور القيمة الشرائية للعملة الوطنية وضرب الاستقرار النقدي، ويتحرك أحمد جاد الله في هذا الإطار كمدير تنفيذي غير رسمي للعمليات المالية التي تخدم الأجندات العسكرية لصدام حفتر في المناطق الخاضعة لسيطرته.

خرق الحظر الدولي وصفقات المسيرات تحت غطاء تجاري

تورطت شبكة أحمد جاد الله في تنسيق صفقات سلاح عابرة للحدود تخرق القرارات الدولية، حيث تم رصد محاولات لإدخال معدات عسكرية متطورة وصواريخ تحت مسميات تجارية مضللة، وفي حزيران 2024 ضبطت السلطات في ميناء “جويا تاورو” الإيطالي مسيرات قتالية صينية كانت متجهة إلى بنغازي، ودفعت تكاليف شحنها شركات مملوكة لجاد الله مسجلة في دبي، وزعمت الأوراق الرسمية أنها “توربينات رياح”، وتبين أن هذه الصفقات تمت مقابل منح خصومات كبيرة على النفط الليبي لجهات مرتبطة بالدولة الصينية، بتنسيق مباشر بين فرحات بن قدارة وقيادات عسكرية في الشرق الليبي.

استمرت هذه الأنشطة اللوجستية لتشمل دعم قوات الدعم السريع في السودان، حيث تم اعتراض سفينة في تموز 2025 محملة بمئات الحاويات من الذخائر والمركبات العسكرية القادمة من الإمارات العربية المتحدة، وكان من المفترض أن تعبر من بنغازي نحو الأراضي السودانية، وادعت بيانات الشحن أنها تحمل إلكترونيات ومستحضرات تجميل متجهة إلى هولندا، وفي المقابل يعيش أحمد جاد الله حياة تتسم بالبذخ الفاحش، بامتلاكه عقارات فاخرة في تورنتو بدبي وطائرات خاصة، مستخدما جواز سفر “سانت كيتس” للتنقل، بينما تعاني المؤسسات الليبية من انهيار الخدمات وأزمات سيولة حادة.


المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى