مقالات وآراء

عدنان الصباح يكتب: حرب أيام أربعة أم آلاف اربعة؟

لم تبدأ الحرب على إيران في نوفمبر 2026، بل إن جذورها تمتد إلى السابع من أكتوبر 2023؛ ذلك اليوم الذي شكّل لحظة مفصلية أعادت ترتيب أولويات القوى الدولية، وأخرجت الصراع من إطاره المحلي إلى سياق كوني أوسع. فقد انطلق الهجوم من غزة، رغم محدودية الإمكانات والحصار، ليُحدث صدمة استراتيجية غير مسبوقة، ليس فقط لحجمه، بل لطبيعته؛ إذ جاء من طرف كان يُنظر إليه عاجزًا عن المبادرة.

أهمية هذا الحدث لا تقتصر على كونه عملية عسكرية، بل في كسره لافتراضات راسخة في بنية النظام الدولي، وأبرزها أن الفاعلين الضعفاء لا يمكنهم فرض تحولات كبرى. ومن هنا، يمكن فهم ردود الفعل الدولية بوصفها محاولة لاستعادة التوازن المفقود، وليس مجرد ردّ على حدث أمني.

هذا الصراع لا ينفصل عن التحولات البنيوية التي يشهدها العالم، حيث ينتقل تدريجيًا من اقتصاد قائم على المادة إلى اقتصاد قائم على المعرفة والوعي. هذا التحول يجعل السيطرة على مصادر القوة غير الملموسة – كالمعرفة والتكنولوجيا – أولوية استراتيجية للقوى الكبرى. ومن هذا المنظور، تبدو السياسات الدولية، وخاصة الأمريكية، محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى بما يضمن الهيمنة على هذا النمط الجديد من الاقتصاد.

في هذا الإطار، يمكن قراءة اتفاقيات أبراهام، التي رعتها إدارة دونالد ترامب، باعتبارها خطوة لبناء تحالفات إقليمية تعيد ترتيب المنطقة بما يخدم هذا التحول، عبر دمج القوة الاقتصادية مع النفوذ السياسي والعسكري، بهدف احتواء القوى المناوئة وتقليص قدرتها على التأثير.

غير أن ما لم يكن في الحسبان هو أن المبادرة ستأتي من الأطراف الأضعف. فبينما انشغلت روسيا في أوكرانيا، وتصاعد التوتر حول الصين وتايوان، جاء الحدث من غزة ليُربك الحسابات، ويُجبر القوى الكبرى على إعادة توجيه اهتمامها نحو الشرق الأوسط، كنقطة ارتكاز غير متوقعة في الصراع الدولي.

توسّع نطاق التفاعل الإقليمي، حيث انخرطت قوى متعددة في دعم غزة بدرجات متفاوتة، مما وسّع دائرة الصراع. والتحول الأهم تمثل في دخول إيران على خط المواجهة بشكل مباشر وغير مباشر، عبر ردود محسوبة حملت رسائل استراتيجية تتجاوز بعدها العسكري.

بهذا الانتقال، أصبح الصراع ساحة اختبار لإرادات دولية. فدخول الولايات المتحدة بشكل أكثر وضوحًا لم يكن مجرد دعم لحليف، بل محاولة لإعادة ضبط توازنات المنطقة، وربما لاستدراج أطراف أخرى للانخراط في صراع أوسع. لكن الفرضية التي قامت عليها هذه الاستراتيجية – تحقيق حسم سريع – لم تتحقق؛ فبدل “حرب الأيام الأربعة”، بدأت ملامح صراع أطول وأكثر تعقيدًا بالظهور، ما دفع نحو البحث عن تهدئة مؤقتة دون معالجة الأسباب العميقة للتوتر.

وهنا تبرز أسئلة جوهرية تحدد مسار المرحلة المقبلة:

هل تسعى الولايات المتحدة لتكرار نموذج أوكرانيا في الشرق الأوسط، عبر إيجاد طرف إقليمي أو أطراف من المعارضة الإيرانية في الداخل لتتولى المواجهة المباشرة؟

هل يمكن تحويل بعض دول المنطقة إلى أدوات في صراع أوسع، عبر إعادة توجيه مواردها العسكرية والاقتصادية، كما جرى توريط دول أوروبا الغربية في الحرب الأوكرانية الروسية؟

هل تراهن واشنطن على تفكيك الداخل الإيراني أو احتوائه عبر تحالفات وضغوط متعددة المستويات، تبدأ من الفصائل الكردية ولا تقف عند أطراف أخرى تقاد من الخارج، مثل “مجاهدي خلق”؟

هل يشكّل وقف إطلاق النار مجرد تكتيك لإعادة التموضع، تمهيدًا لمرحلة جديدة من التصعيد؟

هل تدرك إيران احتمالات الخداع من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد خبرت ذلك بنفسها عبر تجارب سابقة، وبغيرها عبر حماس وحزب الله؟

هل يمكن لصمود إيران وقوى المقاومة أن يجد دعمًا من أطراف جبهة القوى الرافضة للهيمنة الأمريكية على العالم، كالصين وروسيا، بما يسهل على إيران فرض تراجع عملي على خصومها؟

هل ستستغل الولايات المتحدة فترة الهدنة، التي قد يجري تمديدها مرارًا، لإنجاز اتفاقيات بين إسرائيل ولبنان، أو حتى أبعد من ذلك، بما في ذلك توسيع اتفاقيات أبراهام؟

هل ستتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من إنجاز اتفاق مؤقت مع إيران يتيح لهما الفصل بين قوى المقاومة وعزلها بعضها عن بعض، والتفرّد بكل منها، مع إشغال إيران بصراعات داخلية تُكرر فيها التجربة السورية؟

الأهم يتعلق بمستقبل الممرات الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز وباب المندب، وما إذا كانت ستتحول إلى أدوات ضغط اقتصادي تعيد تشكيل أسواق الطاقة العالمية، وترفع كلفة الإنتاج على القوى المنافسة، خاصة في أوروبا والصين، بعد أن تفرض الولايات المتحدة سيطرتها وترفع كلفة النقل عبر رسوم الحماية، مستخدمة مزاعم إغلاق إيران لمضيق هرمز، أو اليمن لباب المندب، وعزوف العالم عن المشاركة مبررًا لسياساتها.

في ضوء هذه المعطيات، يقف العالم أمام مفترق طرق: إما انزلاق نحو صراعات ممتدة تستنزف الجميع، أو التوصل إلى توازنات جديدة تعيد ضبط العلاقات الدولية. لكن المؤشرات الحالية لا توحي بسهولة تحقق الخيار الثاني، في ظل تصاعد النزعات التنافسية وغياب توافق دولي حقيقي، صادق النوايا، وقادر على تغليب المصلحة الجمعية.

إن من السذاجة الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ودولة الاحتلال قد قبلتا بالهزيمة، أو أنهما ستقبلان بشروط إيران وقوى المقاومة بهذه البساطة. وبالتالي، فإن من الضروري – وبأقصى درجة ممكنة – الانتباه إلى الخدع المؤكدة التي ستعمل عليها الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها. وهو ما يعني أن تصديق الرغبات الذاتية قد يشكّل مقتلاً حقيقيًا.

ولا بديل، إذن، عن مواصلة اليقظة والاستعداد لمواجهة المؤامرات المحتملة، بما في ذلك تلك التي قد تُستخدم فيها أطراف جرى إعدادها مسبقًا لهذا الدور، ممن لا يستطيعون معارضة الأوامر الأمريكية.

وفي النهاية، لا يدور السؤال فقط حول مدة الحرب – أربعة أيام أم آلاف الأيام – بل حول طبيعة النظام العالمي القادم. وستبدأ بوابة الإجابة بما قد يحدث في اللقاء المرتقب في إسلام آباد، إن حصل ولم تنهَر الهدنة: هل ستكون هذه الاجتماعات نقطة التقاء حقيقي بين إيران والولايات المتحدة، أم مجرد ساحة للخديعة؟

ما سيحدث في الأسبوعين المقبلين قد يحدد اتجاه العالم: نحو هزيمة محتملة للولايات المتحدة، أو نحو صراعات طويلة تمتد لسنوات، تُنتج عالمًا جديدًا تتشكل فيه تحالفات مختلفة، تقوم على تناقض المصالح الذي برز في مرحلة “ترامب الثانية”، حيث ظهر التخلي العلني عن الحلفاء والسعي لصياغة تحالفات بديلة.

وفي الطريق إلى ذلك، فستسعى قوة المال والقوة ” الولايات المتحدة ” الى إنهاك قوى كبرى وإفقار أخرى، مثل الصين وروسيا والهند وإيران وتركيا وباكستان ومصر والسعودية، تمهيدًا لفرض هيمنة شاملة، وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي حول “سلعة الوعي” بوصفها المورد الأهم في العصر الجديد.

وهنا تبرز المفارقة الحاسمة التي ستحدد ملامح المرحلة القادمة: هل يتجه العالم نحو نظام تحكمه شريعة الغاب، أم نحو حضارة تقوم على العدل والارتقاء الإنساني؟ وهل ستقبل البشرية بمستقبل يُختزل فيه الوجود إلى منطقٍ “حيواني”، يتساوى فيه البشر مع غيرهم على قاعدة بقاء الأقوى، حيث يفرض القوي سيادته ويعيد إنتاج العبودية بصيغ جديدة؟

فبدل عبودية الجسد، قد نشهد عبودية الوعي؛ حيث لا يعود الإنسان مُستعبَدًا في جسده كما كان في عصور سابقة، بل في إدراكه وتفكيره، ضمن منظومة “إمبريالية المعرفة” التي تُحوّل الوعي ذاته إلى مجال للسيطرة.

أم أن مسار التاريخ الإنساني، بما يحمله من تراكم في الوعي وتقدم في القيم، سيجعل من هذا الانحدار أمرًا مستحيلًا؟ وهل سيكون الصراع القادم، في جوهره، صراعًا من أجل استقلالية الوعي، وتحقيق رفاه الإنسان، وترسيخ مبدأ المساواة، على قاعدة أن الأرض واحدة، وأن البشرية أمة واحدة؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى