مقالات وآراء

مصباح العلي يكتب : السلام المزعوم أم الخديعة الكبرى؟

 

 

لا تبدو الحروب في عالم اليوم كما كانت في السابق. لم تعد تُقاس فقط بعدد الدبابات أو بخطوط الجبهات، بل بقدرة الأطراف على إعادة تشكيل الصراع وتغيير أدواته. ما نشهده ليس نهاية حرب، بل انتقالها إلى شكل آخر أكثر تعقيداً وخطورة. سلامٌ يُعلن في العلن، وصراعٌ يُدار في الخفاء.

في هذا السياق، تتقدم فكرة “السلام” كواجهة سياسية أكثر منها واقعاً فعلياً. إذ تُستخدم المفاوضات أحياناً كأداة لشراء الوقت، أو لإعادة التموضع، أو لامتصاص الضغوط، لا كمسار حقيقي لإنهاء النزاعات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام سلام فعلي، أم مجرد هدنة مؤقتة تمهّد لجولة أكثر قسوة؟

السياسة الأميركية، خاصة في ظل شخصيات مثل دونالد ترامب، قدمت نموذجاً واضحاً لهذا النمط. قرارات مفاجئة، انسحابات غير متوقعة، ثم عودة بشروط مختلفة. هذا السلوك لا يمكن فصله عن منطق “الصفقة” الذي يحكم إدارة الملفات الدولية، حيث تصبح الاتفاقيات أدوات تكتيكية لا التزامات استراتيجية. النتيجة المباشرة: تآكل الثقة، وتحول أي اتفاق إلى مرحلة انتقالية بانتظار إعادة التفاوض.

في الشرق الأوسط، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. المنطقة ليست ساحة حرب تقليدية، بل مساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ الدولي والإقليمي. الحديث عن تمدد أو إعادة رسم خرائط لا يعني بالضرورة احتلالاً مباشراً، بل يعكس صراعاً على التحكم بمفاصل القرار: من يملك التأثير، ومن يحدد الاتجاه.

دول مثل لبنان وسوريا والأردن تقف في قلب هذا التوازن الهش. ليست بالضرورة أهدافاً بحد ذاتها، بل نقاط ارتكاز في لعبة أكبر. الضغط عليها لا يأتي دائماً في شكل حرب، بل عبر الاقتصاد، والسياسة، والأمن غير المباشر. إنها حروب بلا إعلان، لكنها تترك آثاراً أعمق من المواجهات التقليدية.

أما تركيا، فهي تمثل حالة خاصة في هذا المشهد. موقعها الجغرافي ودورها داخل حلف الناتو يضعانها في موقع حساس بين الشرق والغرب. الحديث عن توترات أو حتى احتمالات إعادة تموضع استراتيجي لا يمكن تجاهله، لكنه في الوقت ذاته محكوم بحسابات معقدة تجعل أي انفصال جذري خطوة مكلفة للجميع. ومع ذلك، فإن أي خلل في هذا التوازن قد يفتح الباب أمام صراع من نوع مختلف، تكون فيه تركيا لاعباً مركزياً لا تابعاً.

المشهد الدولي الأوسع يعكس بدوره مرحلة انتقالية. التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين لم يعد يقتصر على الخطاب السياسي، بل يمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ العسكري غير المباشر. إنها معركة على شكل النظام العالمي القادم، لا على حدود جغرافية فقط.

من هنا، يصبح “السلام” في كثير من الأحيان مجرد إدارة للصراع، لا إنهاء له. هدنة تُستخدم لإعادة ترتيب الأوراق، لا لإغلاق الملفات. وهذا ما يجعل المرحلة الحالية أكثر خطورة: لأنها توحي بالاستقرار بينما تخفي ديناميات تصعيد كامنة.

السؤال الحقيقي لم يعد: من التالي؟ بل: كيف سيُعاد تشكيل الصراع؟ وأين ستظهر جبهاته الجديدة؟

قد لا نشهد حرباً شاملة بالمعنى التقليدي، لكننا أمام واقع أكثر تعقيداً: صراعات متعددة المستويات، متزامنة، ومفتوحة على احتمالات غير محسوبة. وفي هذا السياق، يصبح “السلام المزعوم” أخطر من الحرب نفسها، لأنه يمنح وهماً بالطمأنينة، بينما تُرسم في الخلفية ملامح مواجهة أكبر.

إنها ليست نهاية حرب… بل بداية مرحلة أكثر غموضاً، حيث تختلط الحدود بين السلام والخديعة، وتصبح الحقيقة نفسها جزءاً من معركة النفوذ.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى