د. أيمن نور يكتب: قراءة ليبرالية في الأزمة السياسية في مصر (4) اقتصاد يضغط وعدالة مؤجلة

حياة الناس ليست أرقامًا في تقارير… بل تفاصيل يومية من القلق، ومحاولات مستمرة للحفاظ على توازنٍ يختل كل يوم. الاقتصاد، حين ينفصل عن هذه التفاصيل، يفقد معناه حتى لو بدا متماسكًا في لغة الأرقام.
المشهد الراهن يعكس ضغطًا لا يهدأ… أسعار تتصاعد، قدرة شرائية تتراجع، وأعباء تتضاعف على فئات لم يعد لديها ما تتحمله. كل يوم جديد يحمل تكلفة إضافية، وكل قرار اقتصادي يتحول إلى اختبار مباشر لقدرة الناس على الصمود.
العملة لم تعد مجرد أداة تبادل… بل أصبحت مرآة لحالة القلق العام. كل ارتفاع فيها ينعكس فورًا على حياة المواطن، لا في بند واحد، بل في سلسلة ممتدة من السلع والخدمات التي تتأثر دون استثناء.
الفجوة هنا لا تُقاس فقط بالدخل… بل بالقدرة على الاحتمال. هناك من يملك مساحة للمناورة، وهناك من يعيش على حافة العجز الكامل، حيث يتحول الاقتصاد من مجال للإدارة إلى معركة يومية للبقاء.
الفكر الاقتصادي، في جوهره، لم يفصل بين الحرية والعدالة… السوق لا يمكن أن تُترك بلا ضوابط، كما لا يمكن للدولة أن تتحكم بلا معايير. التوازن بين الاثنين هو ما يصنع الاستقرار الحقيقي.
العدالة ليست قيمة أخلاقية مجردة… بل ضرورة عملية لبقاء النظام الاقتصادي نفسه. حين يشعر الناس أن الأعباء تُوزع بغير إنصاف، يتحول الإصلاح إلى عبء سياسي، حتى لو كان يحمل في داخله مبرراته الاقتصادية.
الإصلاح، حين يُطرح كأمر واقع لا يقبل النقاش، يفقد جزءًا كبيرًا من شرعيته… لأن الناس لا ترفض التغيير، لكنها ترفض أن تُستبعد من فهمه والمشاركة فيه.
المواطن لا يبحث عن معجزة… بل عن إحساس بالإنصاف. يريد أن يرى أن ما يتحمله اليوم يقابله أفق واضح، وأن التضحيات ليست مفتوحة بلا نهاية.
التجارب التي نجحت لم تعتمد فقط على تقليص الدعم… بل على بناء شبكة حماية حقيقية، وعلى شفافية تشرح للناس لماذا يحدث ما يحدث، وإلى أين يتجه المسار.
غياب الشفافية يفتح الباب للتأويل… ويحوّل أي قرار إلى مصدر قلق، مهما كانت دوافعه، لأن الغموض يولد الشك، والشك يضعف الثقة.
الاقتصاد، في النهاية، ليس معادلة حسابية فقط… بل علاقة اجتماعية معقدة، تتداخل فيها المصالح مع التوقعات، والأرقام مع المشاعر.
حين تتراجع الثقة، ترتفع تكلفة كل شيء… الاستثمار يتردد، والاستهلاك ينكمش، والاستقرار نفسه يصبح هشًا، مهما بدا ثابتًا في الظاهر.
العدالة، في هذا السياق، ليست خيارًا يمكن تأجيله… بل شرطًا أساسيًا لاستمرار أي مسار إصلاحي.
الطريق إلى اقتصاد متوازن لا يمر فقط عبر تحرير الأسواق… بل عبر إعادة توزيع الأعباء بشكل يُقنع الناس بأنهم شركاء لا ضحايا.
1️⃣ إعادة توزيع أعباء الإصلاح بما يحقق قدرًا حقيقيًا من العدالة.
2️⃣ توسيع شبكات الحماية للفئات الأكثر تضررًا.
3️⃣ ربط الأجور بمعدلات التضخم لحماية القدرة الشرائية.
4️⃣ ضمان شفافية كاملة في إدارة الموارد والديون.
5️⃣ دعم الطبقة الوسطى باعتبارها العمود الفقري للاستقرار.
6️⃣ تحسين جودة الخدمات العامة في الصحة والتعليم.
7️⃣ التحول نحو اقتصاد إنتاجي يقلل الاعتماد على الموارد الريعية.
8️⃣ دعم المشروعات الصغيرة كأداة للتشغيل والنمو.
9️⃣ تقليل الفجوات التنموية بين المناطق المختلفة.
🔟 ربط كل مسار إصلاحي بآليات واضحة للمساءلة.
الاقتصاد الذي يرهق الناس… لا يمكن أن يمنحهم الأمان، حتى لو بدا قويًا في ظاهره.







