مقالات وآراء

ساسية بكاري تكتب: بعد الفيتو الروسي-الصيني.. من يعيد رسم أمن هرمز بعد الحرب؟

الفيتو لم يُسقط قرارًا فقط.. بل كشف معركة أكبر

لم يكن إسقاط مشروع القرار الخاص بحماية الملاحة في مضيق هرمز داخل مجلس الأمن، يوم 7 أبريل 2026، مجرد تعثر دبلوماسي عابر، بل لحظة كشفت أن الصراع لم يعد يدور فقط حول فتح الممر البحري، بل حول من يملك حق تنظيمه سياسيًا وأمنيًا بعد الحرب. فالمشروع الذي قدمته البحرين حصد 11 صوتًا مؤيدًا، لكنه سقط بفيتو روسي-صيني، في أول محاولة واضحة لمنح أي ترتيبات بحرية في هرمز غطاءً دوليًا رسميًا.

حتى بعد تخفيف لغة المشروع، لم ينجح النص في تجاوز الفيتو

الأهم أن المشروع الذي سقط لم يسقط وهو في أقصى درجات التشدد، بل بعد أن جرى تليين صيغته أصلًا. فقد أزيلت من المسودات السابقة لغة أكثر صرامة، منها الإحالة إلى إنفاذ ملزم تحت الفصل السابع، ثم جرى تقليص النص إلى صيغة تشجع “كل الوسائل الدفاعية اللازمة” أو التنسيق الدفاعي ومرافقة السفن التجارية وحماية المرور الآمن. ومع ذلك، اعتبرت موسكو وبكين أن النص ظل منحازًا ضد إيران. وهذا هو المعنى الأساسي هنا: الخلاف لم يكن على شدة الصياغة فقط، بل على المبدأ نفسه؛ أي على منح غطاء دولي لترتيب أمني بحري في هرمز رأت فيه روسيا والصين انحيازًا سياسيًا واضحًا.

الإمارات لا تتحرك لفتح الممر فقط

في هذا السياق تحديدًا يُقرأ التحرك الإماراتي بصورة أوضح. فالقضية لم تعد أن أبوظبي تبدي استعدادًا للمشاركة في قوة بحرية متعددة الجنسيات وحسب، بل إنها تتحرك مبكرًا حتى لا تُكتب ترتيبات الأمن البحري الجديدة في الخليج من دونها.
البداية ظهرت في أواخر مارس، عندما نقلت رويترز عن فايننشال تايمز استعداد الإمارات للانضمام إلى جهد متعدد الجنسيات لإعادة فتح المضيق، ثم تعزز هذا المعنى علنًا في 6 أبريل حين قال أنور قرقاش إن أي اتفاق أمريكي-إيراني يجب أن يضمن استخدام هرمز، وإن المضيق لا ينبغي أن يتحول إلى أداة ابتزاز أو ورقة تفاوضية. المعنى السياسي هنا واضح: أبوظبي لا تعرض فقط المساهمة في تأمين العبور، بل تسعى أيضًا إلى ألا يتحول أمن هرمز إلى ملف يُدار فوق رأسها.

ما خسرته أبوظبي في نيويورك

الفيتو الروسي-الصيني لم ينسف التحرك الإماراتي نفسه، لكنه أسقط المسار الذي كان يمكن أن يمنحه شرعية أوسع وأقل كلفة سياسية. فلو مر القرار، لكان من الأسهل تقديم أي قوة لاحقة على أنها ترتيبات دولية لحماية التجارة العالمية.
أما بعد سقوطه، فقد بات أي تحرك مستقبلي أكثر عرضة لأن يُقرأ كاصطفاف خليجي-غربي ضد إيران، لا كآلية أممية جامعة لحماية الملاحة. وهنا تحديدًا تظهر كلفة الفيتو: لقد أعاد أي ترتيبات لاحقة من خانة الشرعية الدولية إلى خانة التوازنات والاصطفافات.

أوروبا لم تعد تختبر البدائل فقط.. بل تحاول بناء نواة تنسيق

بالتوازي مع تعثر المسار الأممي، بدا أن أوروبا تتحرك بسرعة أكبر من مجرد التشاور.
فقد قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 8 أبريل إن أكثر من 15 دولة تعمل على تسهيل استئناف الحركة في هرمز ضمن مهمة وصفها بأنها دفاعية وتقودها فرنسا وبالتنسيق مع إيران.
وفي اليوم نفسه، توجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الخليج لبحث إعادة فتح دائمة للمضيق، بعد أن استضافت لندن اجتماعًا دوليًا سابقًا ضم أكثر من 40 دولة.
هذا يعني أن أوروبا لم تعد تكتفي بانتظار غطاء أممي متعثر، بل بدأت تختبر عمليًا شكل التنسيق الذي قد يملأ فراغ الشرعية الدولية إذا بقي مجلس الأمن مشلولًا.

الهدنة فتحت نافذة عبور.. لا يقينًا بحريًا

ثم جاءت المفارقة. ففي الوقت الذي أسقط فيه الفيتو الروسي-الصيني الغطاء الأممي، دفعت الهدنة الأمريكية-الإيرانية إلى تخفيف الضغط العسكري على المضيق وفتح نافذة عبور مؤقتة.
لكن هذا الانفراج لم يتحول بعد إلى يقين ملاحي كامل؛ إذ قالت شركة ميرسك، إحدى أكبر شركات الشحن في العالم، إن وقف إطلاق النار قد يخلق فرصًا محدودة للعبور، لكنه لا يوفر “يقينًا بحريًا كاملًا”.
ولهذا أبقت الشركة على تعليق حجوزات إلى عدد من موانئ الخليج، واعتمدت بدلًا من ذلك على “جسر بري” عبر موانئ في السعودية وعُمان والإمارات. المعنى هنا أن الممر قد يُفتح عمليًا، من دون أن تُحسم قواعد أمنه أو تستعيد الشركات ثقتها الكاملة به.

التكدس في الخليج يثبت أن الأزمة لم تعد نظرية

ولم يكن أثر الأزمة مجرد تهديد محتمل على الورق. ففي 8 أبريل قال ترامب إن الولايات المتحدة ستساعد في معالجة التكدس الملاحي في هرمز، بينما تحدثت رويترز عن نحو 200 ناقلة ما تزال عالقة في الخليج، تحمل نحو 130 مليون برميل من الخام و46 مليون برميل من الوقود المكرر. هذه الأرقام تكشف أن أزمة هرمز لم تعد فقط سؤالًا عن حرب أو تفاوض، بل اختناقًا لوجستيًا قائمًا بالفعل، يحتاج أكثر من هدنة قصيرة حتى ينحسر أثره.

إيران تريد فتحًا بشروطها

وهنا تصبح القصة أكثر تعقيدًا. فبحسب رويترز، دفعت طهران في المفاوضات نحو حق فرض رسوم على السفن العابرة، وإلى بروتوكول مرور مع عُمان، في حين أوضحت الوكالة في تقرير آخر أن القانون الدولي لا يجيز فرض رسوم على مجرد المرور في مضيق طبيعي مثل هرمز.
وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأنها تنقل المعركة من سؤال “هل يُفتح هرمز أم لا؟” إلى سؤال “على أي قواعد سيُفتح؟”.
إيران، بهذا المعنى، لا تناقش فقط العودة إلى الوضع السابق، بل تحاول استخدام الأزمة لفرض شروط سيادية جديدة على المرور نفسه.

لماذا لا يُختزل هرمز في خبر ملاحي؟

لأن المعركة على هرمز لا تدور على ممر مائي فقط، بل على شريان يمر عبره جزء حاسم من الاقتصاد العالمي. فإدارة معلومات الطاقة الأمريكية قالت إن تدفقات النفط عبر المضيق في 2024 والربع الأول من 2025 مثلت أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، ونحو خُمس استهلاك العالم من النفط والسوائل البترولية، كما مر عبره أيضًا نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في 2024. ولهذا فإن أي اضطراب فيه لا ينعكس على الخليج وحده، بل يضرب أسعار الطاقة والتأمين والشحن والتضخم وسلاسل الإمداد على نطاق عالمي.

حتى بعد الهدنة.. لا عودة سريعة إلى ما قبل الأزمة

الهدنة خففت الأسواق فورًا؛ إذ هبطت أسعار النفط بقوة بعد الإعلان عنها، لكن رويترز نقلت أيضًا أن السوق دخلت ما يشبه “المنطقة الرمادية”: ارتياح قصير الأجل يقابله قلق طويل الأجل من هشاشة الاتفاق، ومن بطء عودة الإنتاج والتدفقات والشحن إلى وضعها الطبيعي، ومن استمرار إحجام شركات النقل عن التعامل مع الخليج وكأن شيئًا لم يكن. وهذا يعني أن ما فُتح دبلوماسيًا خلال أسبوعين قد لا يُغلق بسرعة في حسابات التأمين والملاحة والطاقة.

ما بعد الفيتو.. من يكتب قواعد الخليج الجديدة؟

هكذا تتضح الصورة النهائية: الفيتو الروسي-الصيني لم يُسقط قرارًا أمميًا فقط، بل عرّى حقيقة الصراع على هرمز. فالقضية لم تعد إعادة فتح ممر مائي تعطلت فيه الملاحة بسبب الحرب، بل صارت معركة مبكرة على من يملك حق تنظيم الخليج بعد الحرب. في هذه المعركة تظهر الإمارات كطرف لا يريد أن يكون مجرد مساهم في قوة بحرية، بل شريكًا في كتابة قواعد المرحلة التالية. وبين هدنة مؤقتة، ومجلس أمن مشلول، وأوروبا تحاول بناء نواة تنسيق خارج التعطيل الأممي، وشركات شحن ما تزال متوجسة، وإيران تسعى إلى فرض شروط مرور جديدة، يبدو أن هرمز لم يعد عنوانًا لأزمة ملاحة فحسب، بل صار ساحة تتقرر فيها موازين النفوذ في ما بعد الحرب.

 

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى