عن قصة حمادة البنا: كيف تحول العزاء إلى احتفال بالحياة في غزة

استرد الشاب الفلسطيني حمادة البنا البالغ من العمر 23 عاماً أنفاس الحرية بعد عام كامل من المعاناة داخل سجون إسرائيل، حيث ظن ذووه أنه فارق الحياة بعد فقدان أثره في ذروة أحداث شهر أغسطس 2025، لتتحول اللحظات التي استعدت فيها العائلة لتقبل واجب العزاء إلى مشهد استثنائي يفيض بمشاعر البهجة والصدمة، بعد أن تبين أن الابن كان يقبع خلف قضبان معتقلات الاحتلال طوال تلك المدة دون أي تواصل أو معلومات تذكر عن مصيره.
كواليس عام من الإخفاء القسري
بدأت رحلة المعاناة عندما توجه الشاب برفقة شقيقه أدهم إلى مناطق توزيع المساعدات الإنسانية في محيط منطقة زيكيم شمالي القطاع، وذلك بسبب حالة المجاعة الخانقة التي طالت المدنيين هناك، حيث افترق الشقيقان وسط الزحام الشديد، وتلقى حمادة نبأ استشهاد شقيقه خلال محاولته الحصول على كيس من الطحين، وأثناء محاولته التقصي عما حدث لأخيه تعرض لإصابات بالغة جراء قصف إسرائيلي أدى إلى فقدانه للوعي تماماً.
استفاق حمادة البنا داخل مستشفى في إسرائيل، حيث خضع لعلاجات طبية مكثفة استمرت عدة أشهر لإصابات في قدميه ويديه وأجزاء متفرقة من جسده، وعقب تحسن حالته نُقل إلى سجن سديه تيمان العسكري، ليبدأ رحلة من التنكيل النفسي والجسدي التي وصفها بأنها تفوق قدرة الكلمات على الوصف، حيث قضى قرابة شهرين ونصف في حبس انفرادي تام، محرومًا من أدنى مقومات التواصل الإنساني أو الحصول على مساعدة قانونية لتوثيق اعتقاله.
تفاصيل الصدمة والمكالمة الهاتفية
ساد الاعتقاد لدى ياسر البنا، والد الشاب، أن ابنه استشهد برفقة شقيقه، وهو ما دفع العائلة لإقامة مراسم العزاء بعدما استنفدت كافة السبل للبحث عنه، حتى أن خطيبة الشاب قامت ببيع ذهبها الخاص لتغطية نفقات توكيل محامٍ لاستجلاء أي معلومة، لكن الردود كانت دائماً سلبية بعدم وجود بياناته في قوائم الأسرى، مما رسخ في يقين الأسرة أن الفقد نهائي، قبل أن تأتي المكالمة الهاتفية المفاجئة التي أطلقت شرارة العودة للحياة.
عادت الفرحة إلى المنزل المتصدع في بلدة جباليا، حيث انهارت والدته وداد البنا من هول المفاجأة التي لم تتوقعها، وأغمي عليها مرتين خلال استقبال ابنها، في حين لا تزال العائلة تحاول استيعاب واقعة النجاة بعد عام من القنوط، وتستعد الآن لإتمام مراسم زفافه على خطيبته التي تمسكت بانتظاره رغم كل الظروف القاسية، في قصة تعكس معاناة مئات العائلات التي تعيش في دوامة الفقد والبحث عن الحقيقة.
تؤكد هذه الواقعة حجم الانتهاكات التي يواجهها المدنيون في القطاع، حيث يقبع في سجون إسرائيل نحو 9500 أسير فلسطيني يعيشون تحت وطأة ظروف إنسانية بالغة التعقيد تشمل التجويع والإهمال الطبي، في ظل سياسة الإخفاء القسري التي تحرم المعتقلين من الحماية القانونية، وتتجاهل المؤسسات الحقوقية هذه الممارسات التي تشكل خرقاً للقانون الدولي، معتبرة أن ما حدث مع الشاب هو نموذج لما يعانيه المئات ممن لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى هذه اللحظة.





