
مساءٌ لا يُشبه مواعيد البروتوكول، ولقاءات الصحفيين، ولا تنطبق عليه صفة الاحتفال، بل أقرب إلى لحظةٍ إنسانية خالصة، جاءتني بدعوةٍ من أستاذتي… وأختي التي تُحسن اختيار كلماتها كما تُحسن اختيار أماكنها. دعوتها لم تكن إلى عشاء، بل إلى معنى… إلى مساحةٍ من الصفاء، أرادت لها أن تكون امتدادًا لصدور الطبعة الفرنسية من كتابي «رؤيتنا 2026–2030»، ولكن بروحٍ عائلية دافئة، تُعيد للأشياء بساطتها الأولى.

المكان لم يكن عاديًا، بل كان Le Procope، ذلك العنوان الذي لا يُقرأ كاسم مطعم، بل كفصلٍ طويل من تاريخ أوروبا. تأسس عام 1686 على يد الإيطالي فرانشيسكو بروكوبيو، في زمنٍ كانت فيه القهوة غريبة على الذائقة الأوروبية، فصار المكان أول بيتٍ لها، وأول منصةٍ غير معلنة لولادة الحوار الحرّ. هنا، لم تُقدَّم المشروبات فقط، بل قُدِّمت الأفكار… ساخنة، جريئة، وقادرة على تغيير العالم.
دقّة اختيارها لهذا المكان لم تكن مصادفة، فهي ذاتها الدقّة التي أعرفها فيها، وهي تُنقّب في أرشيف الفكر، أو تُعيد ترتيب فكرةٍ في بحثٍ أكاديمي، كأنها لا تكتب، بل تُهندس المعنى. أرادت للمكان أن يكون شريكًا في الحكاية، لا مجرد خلفيةٍ لها، وكأنها تقول دون أن تتكلم: بعض اللحظات تحتاج إلى تاريخٍ يليق بها.

ليست فقط أستاذتي… بل جزءٌ من عائلتي التي أحرص أن أعود إليها كلما عدت إلى باريس، أنا وزوجتي، لا لنلتقي فحسب، بل لنرتشف من حضورها شيئًا من الطمأنينة. في صحبتها، يتراجع صخب المدن، ويهدأ إيقاع الوقت، وتستعيد الكلمات معناها الأول.
هذا المكان لم يكن مجرد ملتقى عابر، بل كان معملًا مفتوحًا للفكر. جلس فيه فولتير، الذي علّم أوروبا كيف تشكّ في المسلّمات، وتدافع عن حرية التعبير، لا باعتبارها ترفًا، بل حقًا أصيلًا. وعلى مقربةٍ منه، كان روسو يُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمجتمع، ويزرع بذور فكرة العقد الاجتماعي التي غيّرت مسار السياسة الحديثة. أما ديدرو، فكان يكتب ويُحرّر «الموسوعة»، لا ككتابٍ فقط، بل كمشروعٍ لتحرير العقل من ظلمات الجهل، وكأنهم جميعًا كانوا يكتبون المستقبل على طاولةٍ واحدة.
حتى الثوار مرّوا من هنا، من روبسبيير إلى دانتون، حيث لم يكن النقاش ترفًا، بل مقدمةً لانفجارٍ غيّر وجه فرنسا. بل إن بنجامين فرانكلين جلس في هذا المكان، يحمل معه روح العالم الجديد، ويستمع إلى أوروبا وهي تُعيد اكتشاف نفسها.
أما الحكاية الأكثر إنسانية، فتبقى تلك المرتبطة بشابٍ جلس هنا ذات يوم، لم يكن يملك ثمن طعامه، فترك قبعته على الطاولة ومضى… ذلك الشاب كان نابليون. لم تكن القبعة مجرد قطعة قماش، بل كانت وعدًا مؤجلًا، علامةً على أن الفقر قد يطرق باب العبقرية، وأن العجز المؤقت قد يخفي في داخله مشروع قوة. وقفتُ أمام تلك القصة، وتأملت رمزيتها، والتقطتُ صورةً لذلك المعنى قبل أن ألتقط صورةً للمكان، لأن بعض الأشياء تُرى بالقلب قبل العين.

داخل القاعة، بدت التفاصيل وكأنها تُقاوم الزمن: ثرياتٌ كريستالية، جدرانٌ حمراء، لوحاتٌ تُحدّق فيك كأنها تختبر حضورك، وتسألك بصمت: ماذا ستضيف أنت إلى هذا الامتداد الطويل من الحكايات؟
مساء اليوم، لم يكن الحديث عن كتابٍ فقط، بل عن الطريق الذي قاد إليه، عن فكرةٍ وُلدت في سياقٍ عربي مثقلٍ بالتحديات، ثم وجدت طريقها إلى لغةٍ أخرى، وثقافةٍ أخرى، دون أن تفقد روحها. كأن المكان، بما يحمله من تاريخ، كان يُبارك عبور الفكرة من ضفةٍ إلى أخرى.
بيننا، كانت المسافة أقصر من أي تعريف: أستاذةٌ تُشبه الأخت، وأختٌ تُشبه العائلة، وعائلةٌ تختصر معنى الوطن في لحظة دفء. في هذا التداخل الجميل، أدركتُ أن بعض العلاقات لا تُصنّف، لأنها ببساطة… تُعاش.
غادرتُ المكان، ولم أغادره تمامًا. تركتُ على الطاولة شيئًا مني… ربما فكرة، وربما امتنانًا، وربما يقينًا بأن الأماكن العظيمة لا تصنعها الجدران، بل القلوب التي تعرف كيف تختارها… وكيف تمنحها معنى.







