صراع النفوذ الإقليمي يشتعل ومساعي وقف إطلاق نار في لبنان تربك حسابات تل أبيب

تتصدر قضية وقف إطلاق نار في لبنان المشهد السياسي الإقليمي وسط تحولات ميدانية متسارعة فرضت واقعا جديدا على طاولة المفاوضات الدولية، حيث تتقاطع المصالح الكبرى بين القوى الفاعلة في المنطقة لتحديد مصير العمليات العسكرية الجارية، وتلعب التحركات الدبلوماسية الأخيرة دورا محوريا في اختبار قدرة الأطراف المختلفة على فرض شروطها، خاصة مع الارتباط الوثيق بين ما يجري في الجنوب اللبناني والموازين الاستراتيجية الأوسع نطاقا، وتفرض هذه التطورات ضغوطا متزايدة على صنع القرار في عواصم القرار العالمي والمنطقة العربية بشكل مباشر،
بدأت ملامح المرحلة الجديدة تتبلور بعد تنفيذ جيش الاحتلال الإسرائيلي أعنف الضربات العسكرية ضد الأراضي اللبنانية خلال الأيام الماضية، وهو ما دفع بنيامين نتنياهو للتأكيد على وجود تناغم في التحركات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وأعلن رئيس وزراء سلطة الاحتلال دخول هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين حيز التنفيذ بين الإدارة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، مشددا على أن هذا الاتفاق تم بتنسيق كامل مع الجانب الإسرائيلي، ويسعى هذا التحرك لضمان عدم حدوث مفاجآت في اللحظات الأخيرة من مسار التفاوض، مع محاولات مستمرة لتعزيز صورة وحدة الرؤية الاستراتيجية المشتركة،
تحولات الميدان تفرض واقع وقف إطلاق نار في لبنان
تشهد التحركات السياسية تراجعا ملحوظا في حدة التصريحات الإسرائيلية بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على خطاب نتنياهو، حيث دعا الأخير لإجراء محادثات مباشرة مع الجمهورية اللبنانية حول ترتيبات أمنية ونزع سلاح حزب الله، وتأتي هذه الدعوة في ظل ضغوط دولية كبيرة لتعليق أي عمليات عسكرية كبرى خلال الأسبوعين المقبلين، بينما تحاول الجمهورية الفرنسية قيادة مسار مستقل يفصل ملف التهدئة اللبنانية عن مسار المفاوضات بين طهران وواشنطن، وتعتمد المبادرة الفرنسية على فكرة النزع التدريجي للسلاح لضمان استقرار طويل الأمد، لكن فرص نجاحها تواجه تحديات ميدانية جسيمة،
تفرض السيطرة الإيرانية على ممرات الملاحة العالمية في مضيق هرمز أوراق ضغط قوية تجعل من وقف إطلاق نار في لبنان مطلبا أساسيا لا يمكن تجاوزه، ويمر عبر هذا المضيق نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية مما يجعل الاقتصاد العالمي رهينة لاستقرار هذه المنطقة، وأكدت طهران عبر محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي أن الغارات الإسرائيلية التي استهدفت لبنان وأدت لمقتل أكثر من 300 شخص وإصابة 1100 آخرين تعد خرقا للتفاهمات، وتصر الأطراف الوسيطة في جمهورية باكستان الإسلامية على أن أي اتفاق دولي يجب أن يشمل بالضرورة وقف العمليات الحربية في الداخل اللبناني،
خريطة الصراع وتوازنات القوى في الشرق الأوسط
تتسارع الخطى الدبلوماسية لانطلاق محادثات في وزارة الخارجية الأمريكية بحضور ميشال عيسى ويحيئيل لايتر وندى حمادة معوض لبحث سبل وقف إطلاق نار في لبنان، وتصطدم هذه الجهود بمطالب إسرائيلية وصفت بالتعجيزية تتضمن إقالة وزراء ينتمون لجهات سياسية معينة في الحكومة اللبنانية، وفي المقابل يواصل حزب الله عبر علي فياض التمسك بالثوابت الوطنية ورفض التفاوض المباشر قبل الانسحاب الكامل للاحتلال، ويستند هذا الموقف إلى إنجازات عسكرية ميدانية وقدرة على تأمين تدفق السلاح عبر أراضي الجمهورية العربية السورية رغم التحولات السياسية التي شهدتها دمشق مؤخرا،
تستمر العمليات البرية في جنوب لبنان حيث تحاول دبابات الاحتلال تطويق بلدة بنت جبيل والتقدم في بلدة الخيام وسط اشتباكات عنيفة، وتنفذ القوات الإسرائيلية ضربات استباقية بذريعة منع توسيع نطاق إطلاق القذائف، بينما يرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب وجي دي فانس تسعى لتهدئة الأمور لضمان نجاح المفاوضات الإقليمية، وتظل معادلة وقف إطلاق نار في لبنان هي المحك الحقيقي الذي سيكشف عن شكل الشرق الأوسط الجديد، في ظل إصرار كافة الأطراف على عدم تقديم تنازلات جوهرية تمس بمواقع نفوذهم الاستراتيجي في هذه المنطقة المشتعلة،






