من الهيمنة إلى الاستنزاف.. كيف يفقد المشروع الأمريكي الصهيوني تماسكه في الشرق الأوسط؟ -دراسة-

الملخص
تتناول هذه الدراسة مسار التآكل المتدرج للمشروع الأمريكي–الصهيوني في الشرق الأوسط منذ طوفان الأقصى، بوصفه نقطة تحول كشفت حدود القوة التقليدية، وأعادت تشكيل معادلات الردع والتأثير في الإقليم. وتنطلق من فرضية أن ما جرى لا يمثل مجرد خسائر عسكرية أو سياسية متفرقة، بل يعكس تحولًا أعمق في بنية المشروع ذاته، وانتقاله من منطق الهيمنة والحسم السريع إلى منطق إدارة الأزمات والاستنزاف الممتد.
ترصد الدراسة أبعاد هذا التآكل عبر مستويات متعددة، تشمل الخسائر العسكرية الناتجة عن تعدد الجبهات وفشل الحسم، والخسائر السياسية المرتبطة بتراجع الثقة والقدرة على فرض الإرادة، إلى جانب الخسائر المعنوية والسردية التي تجلّت في تآكل الرواية الإسرائيلية وصعود الرواية الفلسطينية عالميًا، فضلًا عن اهتزاز منظومة التحالفات التقليدية.
كما تحلل الدراسة انعكاسات هذه التحولات على بنية الإقليم، من صعود قوى إقليمية جديدة، واتساع دور الفاعلين غير الدوليين، إلى دخول المنطقة في مرحلة سيولة استراتيجية مفتوحة على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين الاستنزاف المستمر، ومحاولات إعادة بناء الردع، والتصعيد الأوسع، أو التسويات المرحلية.
وفي المقابل، تبرز الدراسة الفرص التي تتيحها هذه التحولات، خاصة أمام الحركات الشعبية والإسلامية، لإعادة بناء أدوارها، وتطوير أدوات تأثيرها، واستثمار التغيرات في الوعي الدولي والسرديات.
وتخلص الدراسة إلى أن المشروع الأمريكي–الصهيوني لم ينهَر، لكنه لم يعد كما كان، بل دخل طورًا انتقاليًا تُعاد فيه صياغة موازين القوة، بما يفتح المجال أمام إعادة تشكيل الإقليم على أسس جديدة، تتوقف مآلاتها على قدرة الفاعلين على الفهم والاستثمار وبناء البدائل.
🟤 المدخل الاستراتيجي – لحظة انكشاف المشروع
▪️ لم يعد طوفان الأقصى مجرد حدث عسكري مفاجئ، بل شكّل لحظة كاشفة هزّت الأسس التي قام عليها المشروع الأمريكي–الإسرائيلي في المنطقة، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول فعالية القوة، وحدود الردع، وطبيعة السيطرة في بيئة إقليمية تتغير بسرعة.
▪️ فقد كشفت هذه اللحظة عن انتقال تدريجي من منطق الهيمنة وفرض الإرادة، إلى منطق إدارة الأزمات والحد من الخسائر، حيث لم تعد القدرة على الحسم السريع أو التحكم الكامل في مسارات الصراع متاحة كما كانت تُصوَّر.
▪️ وفي ظل تتابع الحروب واتساع نطاقها من غزة إلى لبنان واليمن وسوريا، وصولًا إلى المواجهة مع إيران، لم تعد الخسائر مجرد نتائج جانبية للصراع، بل تحولت إلى نمط تراكمي يعكس تآكلًا في بنية المشروع ذاته، لا فقط في أدواته.
▪️ الإشكالية: هل تمثل هذه التطورات خسائر ظرفية يمكن احتواؤها وإعادة تعويضها، أم أننا أمام تحول أعمق يمس جوهر المشروع الأمريكي–الإسرائيلي ويعيد تعريف موقعه في الإقليم؟
▪️ الفرضية: ما جرى لا يمكن قراءته بوصفه سلسلة من الإخفاقات المنفصلة، بل باعتباره مسارًا تراكميًا من الخسائر متعددة المستويات—عسكرية، وسياسية، ومعنوية—يؤشر إلى انتقال المشروع من حالة التفوق المريح إلى حالة الاختبار المستمر.
▪️ الهدف: تقديم قراءة تحليلية لطبيعة هذه الخسائر، واستكشاف دلالاتها الاستراتيجية، بما يساعد على فهم اتجاهات المشروع في المرحلة القادمة، وحدود قدرته على إعادة بناء نفسه في بيئة إقليمية لم تعد كما كانت.
🟤 الإطار المفاهيمي – ما المقصود بالخسارة الاستراتيجية؟
▪️ لا يمكن فهم ما جرى منذ طوفان الأقصى وما تلاه من حروب متسلسلة إلا عبر التمييز بين مستويات الخسارة المختلفة، إذ إن اختزالها في البعد العسكري وحده يُفضي إلى قراءة ناقصة، تغفل ما هو أعمق وأبقى أثرًا في بنية المشروع.
▪️ الخسارة العسكرية لا تعني فقط حجم الخسائر في الأفراد أو المعدات، بل تشمل تآكل القدرة على الحسم، وتعدد الجبهات بما يفوق القدرة على السيطرة، وتراجع فعالية الردع الميداني. وهي خسارة قابلة للتعويض نظريًا، لكنها تصبح خطرة حين تتكرر وتتحول إلى نمط.
▪️ أما الخسارة السياسية فتتجلى في تراجع القدرة على فرض الإرادة، وازدياد الضغوط الداخلية، واهتزاز الثقة في القيادة، فضلًا عن تعقّد العلاقة مع الحلفاء، وتراجع هامش المناورة في إدارة الصراع.
▪️ بينما تشير الخسارة المعنوية إلى تآكل الصورة الذهنية، سواء على المستوى الداخلي أو الدولي، وانكشاف محدودية القوة، وتراجع المصداقية، بما ينعكس مباشرة على فعالية الردع، إذ لا يقوم الردع على القوة المادية فقط، بل على الثقة في استخدامها ونتائجها.
▪️ وتبقى الخسارة البنيوية هي الأعمق أثرًا، إذ تتعلق بتآكل الأسس التي يقوم عليها المشروع ذاته، سواء في قدرته على إنتاج الاستقرار، أو الحفاظ على تفوقه، أو إدارة تحالفاته، أو إعادة بناء نفسه بعد الأزمات. وهي خسارة لا تظهر سريعًا، لكنها الأخطر لأنها تمس “منطق المشروع” لا مجرد أدائه.
▪️ ومن هنا، فإن المشروع الأمريكي–الإسرائيلي لا يمكن النظر إليه كقوة عسكرية فقط، بل كمنظومة متكاملة تقوم على أربعة أعمدة رئيسية: الأمن، والردع، والتحالفات، والسردية. وأي خلل متكرر في أحد هذه الأعمدة—أو في تفاعلها معًا—ينتج خسارة استراتيجية حقيقية، حتى وإن بدا المشهد على السطح قابلاً للاحتواء.
▪️ وبذلك، فإن قراءة الخسائر في المرحلة الراهنة تقتضي الانتقال من رصد النتائج المباشرة، إلى تحليل أثرها على هذه المنظومة ككل، باعتبارها الإطار الذي يحدد قدرة المشروع على الاستمرار أو التراجع في المدى المتوسط والبعيد.
🟤 طوفان الأقصى – الضربة الأولى لنظرية الردع
▪️ شكّل طوفان الأقصى لحظة صادمة في بنية الأمن الإسرائيلي، ليس فقط من حيث حجم العملية، بل من حيث قدرتها على اختراق منظومة أمنية كانت تُقدَّم باعتبارها الأكثر تطورًا وتحكمًا في محيطها. هذا الاختراق لم يكن ميدانيًا فحسب، بل كان اختراقًا لفكرة “السيطرة الكاملة” التي قامت عليها العقيدة الأمنية الإسرائيلية لعقود.
▪️ وقد ترتب على ذلك اهتزاز عميق في صورة “الجيش الذي لا يُهزم”، وهي صورة لم تكن مجرد دعاية، بل كانت أحد أعمدة الردع النفسي والسياسي في الإقليم. ومع تراجع هذه الصورة، لم تعد القوة العسكرية تُترجم تلقائيًا إلى قدرة على المنع أو السيطرة، بل أصبحت موضع اختبار وتشكيك.
▪️ في هذه اللحظة، انتقلت إسرائيل من موقع الفاعل الذي يفرض معادلات الردع، إلى موقع المتلقي للصدمة، والساعي إلى استيعابها واحتوائها. وهو انتقال يعكس خللًا في توازن المبادرة، حيث لم تعد إسرائيل الطرف الذي يحدد توقيت الصراع وشكله بشكل مطلق.
▪️ كما انعكس ذلك على الداخل الإسرائيلي في صورة تراجع الثقة في المؤسسة الأمنية والعسكرية، وطرح تساؤلات حول كفاءة المنظومة، وحدود قدرتها على حماية المجتمع، وهو ما امتد أثره إلى الخارج، حيث بدأت صورة التفوق المطلق تتعرض للتآكل في نظر الحلفاء والخصوم على حد سواء.
وهكذا، لم يعد الردع قائمًا على افتراض القدرة المطلقة على المنع، بل أصبح رهينًا بقدرة متغيرة على الاستجابة، وهو ما يعني أن معادلات الردع القديمة لم تعد مضمونة، وأن بيئة الصراع دخلت مرحلة أكثر سيولة وتقلّبًا.
🟤 حرب غزة – من استعادة الردع إلى استنزاف مفتوح
▪️ شكّلت حرب غزة محاولة مركزية لاستعادة الردع بعد الصدمة الأولى، غير أنها سرعان ما تحولت إلى نموذج لحرب مفتوحة فشل فيها الحسم السريع، رغم التفوق العسكري وحجم القوة المستخدمة، بما كشف حدود القدرة على إنهاء الصراع بالقوة وحدها.
▪️ وقد ترتب على ذلك كلفة بشرية وعسكرية مرتفعة، انعكست على صورة الأداء العسكري، وأثارت تساؤلات داخلية وخارجية حول جدوى الاستمرار في نمط حرب لا تُنتج نتائج حاسمة بقدر ما تُفاقم الأعباء.
▪️ وفي الداخل الإسرائيلي، تعمّقت الأزمة السياسية والمجتمعية، مع تصاعد الانقسامات، وتزايد الضغوط على القيادة، وتراجع الثقة في إدارة الحرب، ما أضعف الجبهة الداخلية في لحظة تتطلب تماسكًا أعلى.
▪️ وفي المقابل، استمرت المقاومة في الحفاظ على قدرتها على الفعل، رغم حجم التدمير الهائل، بما أظهر قدرة على الصمود وإعادة التكيف، وأسهم في تحويل مسار الحرب من مواجهة قصيرة إلى حالة استنزاف ممتد.
فقد تحولت الحرب من محاولة لاستعادة الردع إلى استنزاف طويل، أعاد تعريف حدود القوة، وفرض معادلات جديدة للصراع.
🟤 الجبهة اللبنانية – اتساع دائرة التهديد
▪️ لم تعد الجبهة اللبنانية مجرد جبهة مساندة أو محدودة التأثير، بل تحولت إلى ساحة ضغط مستمر، فتحت على إسرائيل جبهة شمالية نشطة فرضت معادلة اشتباك طويلة الأمد، وأجبرتها على توزيع قدراتها بين أكثر من مسرح عمليات.
▪️ هذا الانخراط المستمر في الشمال أفضى إلى استنزاف عسكري وأمني متراكم، لم يعد مرتبطًا بعمليات كبرى فقط، بل بسلسلة من الاشتباكات اليومية التي تستنزف الجهد والموارد، وتُبقي حالة الاستنفار قائمة دون أفق حسم واضح.
▪️ كما أدى ذلك إلى تهديد العمق الإسرائيلي بصورة غير مسبوقة نسبيًا، حيث لم تعد المواجهة محصورة في الأطراف، بل امتدت تداعياتها إلى الداخل، بما خلق حالة من القلق وعدم الاستقرار لدى المجتمع، وأعاد طرح سؤال “الأمن الشامل” الذي كانت إسرائيل تحاول ترسيخه.
▪️ في الوقت ذاته، قيّد هذا الواقع حرية الحركة الإسرائيلية، سواء على مستوى التصعيد أو التهدئة، إذ أصبح أي قرار مرتبطًا بحسابات متعددة الجبهات، ما يقلل من القدرة على المبادرة المنفردة، ويجعل إدارة الصراع أكثر تعقيدًا.
إن تعدد الجبهات لم يوسّع فقط نطاق التهديد، بل قيّد القدرة على الحسم، وحوّل التفوق العسكري إلى عبء إدارة معقّد، بدل أن يكون أداة حسم سريعة.
🟤 اليمن والبحر الأحمر – تهديد الممرات الاستراتيجية
▪️ لم يعد البحر الأحمر ممرًا آمنًا تحت السيطرة الكاملة، بل تحوّل إلى ساحة ضغط فعّالة، حيث استُهدفت الملاحة الدولية بصورة مباشرة، بما كشف هشاشة منظومة تأمين أحد أهم الشرايين التجارية في العالم.
▪️ هذا الاستهداف لم يقتصر على البعد العسكري، بل امتد ليُحدث تعطيلًا جزئيًا في حركة التجارة العالمية، ويدفع شركات النقل إلى إعادة حساباتها، سواء بتغيير المسارات أو تحمل كلف إضافية، ما انعكس على الاقتصاد الدولي وعلى مصالح القوى الكبرى ذاتها.
▪️ في المقابل، برز عجز واضح عن تأمين هذه الممرات بشكل كامل، رغم الحضور العسكري الدولي، وهو ما أظهر حدود القوة التقليدية في مواجهة تهديدات غير تقليدية، تعتمد على المرونة وتكلفة منخفضة مقارنة بحجم الأثر.
▪️ ومع استمرار هذه المعادلة، تصاعدت الكلفة الاقتصادية والأمنية، سواء على مستوى العمليات العسكرية المباشرة، أو على مستوى حماية المصالح التجارية، ما أضاف بعدًا جديدًا للصراع يتجاوز الجغرافيا المباشرة إلى الاقتصاد العالمي.
لم يعد التحكم في الممرات الحيوية أمرًا محسومًا، بل أصبح محل تنازع واستنزاف، بما يعكس اهتزازًا في أحد أهم أعمدة السيطرة الاستراتيجية في المنطقة.
🟤 سوريا والعراق – تآكل النفوذ تحت الضغط
▪️ لم تنجح الضربات المتكررة في هاتين الساحتين في تحقيق حسم واضح أو إعادة ضبط المشهد، بل كرّست نمطًا من الاشتباك المفتوح الذي يستنزف دون أن يُنهي الصراع، ما يعكس محدودية القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستقرة، وذلك برغم ان سوريا الجديدة لم تكن ساحة اشتباك إلا أنها لاتزال مجالا لتهديد محتمل.
▪️ كما بقيت البيئة في سوريا والعراق شديدة الهشاشة، تتداخل فيها خطوط النفوذ، وتتعدد فيها مراكز القوة، بما يجعل أي محاولة للسيطرة الكاملة أو إعادة تشكيل المشهد وفق رؤية واحدة أمرًا بالغ التعقيد.
▪️ في هذا السياق، تصاعد دور الفاعلين غير الدوليين بصورة لافتة، حيث أصبحت هذه القوى جزءًا أصيلًا من معادلة التأثير، لا مجرد أطراف هامشية، وهو ما أعاد تعريف طبيعة الصراع من مواجهة بين دول إلى شبكة من التفاعلات المعقدة.
▪️ وفي المقابل، برزت محدودية التأثير الأمريكي المباشر، إذ لم تعد واشنطن قادرة على فرض ترتيبات مستقرة أو حسم المسارات، بل بات دورها أقرب إلى إدارة توازنات هشة، في بيئة لا تستجيب لإرادة طرف واحد.
لم يعد النفوذ في هاتين الساحتين قائمًا على السيطرة أو الحسم، بل أصبح نفوذًا متقلبًا، خاضعًا للضغط والمنافسة، ما يعكس تراجع القدرة على إنتاج استقرار طويل الأمد.
🟤 الحرب على إيران (2025–2026) – ذروة المواجهة وانكشاف حدود الحسم
▪️ مثّلت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت لأول مرة في يونيو 2025 واستمرت اثني عشر يومًا، ثم تجددت بصورة أوسع في 28 فبراير 2026، تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع، حيث انتقل من إدارة غير مباشرة عبر الحلفاء إلى مواجهة أقرب إلى الاشتباك المباشر، بما حمله ذلك من توسيع غير مسبوق لنطاق المخاطر والاحتمالات.
▪️ وقد هدفت هذه الحرب—في مرحلتها الثانية—إلى إحداث تغيير جذري في بنية النظام الإيراني، إلى جانب أهداف استراتيجية أخرى في مقدمتها تدمير البرنامج النووي والصاروخي في اطار إعادة تشكيل توازنات الإقليم، غير أن مسار العمليات كشف عن فجوة واضحة بين الطموح الاستراتيجي والقدرة الفعلية على تحقيقه.
▪️ ورغم ما تحقق من مكاسب تكتيكية على المستوى العملياتي وعلى مستوى تدمير قدرات إيرانية واسعة، فإن الحرب انتهت دون تحقيق أهدافها الكبرى، إذ تمكنت إيران من امتصاص الضربة، والرد بصورة مؤثرة عبر الاستهداف المكثف وغير المسبوق للعمق الإسرائيلي، وضرب المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، ما نقل كلفة المواجهة إلى الطرف الآخر، وغيّر معادلة الضغط.
▪️ كما شكّل إغلاق مضيق هرمز نقطة تحول حاسمة، حيث انتقلت تداعيات الحرب من المجال العسكري إلى الاقتصاد العالمي، ما أدى إلى تصاعد الضغط الدولي على واشنطن لوقف العمليات، بعد أن أصبحت كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التراجع.
▪️ ونتيجة لذلك، اضطرت الولايات المتحدة إلى وقف الحرب دون تحقيق الحسم، في مشهد يعكس حدود القوة في مواجهة خصم قادر على الرد غير المتماثل، وعلى نقل المعركة إلى مجالات متعددة.
▪️ وقد ترتب على هذه المواجهة كلفة عسكرية وسياسية مرتفعة، فضلًا عن تصاعد غير مسبوق في المخاطر الإقليمية، حيث باتت احتمالات التوسع أو الانفجار الشامل قائمة في أي لحظة، نتيجة تشابك الجبهات وتداخل المصالح.
وهكذا ثبت ان المواجهة مع إيران لم تعد قابلة للحسم السريع أو لإعادة تشكيل الإقليم وفق الإرادة الأمريكية–الإسرائيلية، بل تحولت إلى معادلة مفتوحة، تكشف حدود التفوق العسكري حين يواجه خصمًا قادرًا على الاستنزاف والردع المتبادل، وتُبقي المنطقة في حالة سيولة استراتيجية مستمرة.
🟤 الخسائر العسكرية
▪️ كشفت المواجهات المتتالية منذ طوفان الأقصى عن نمط استنزاف ممتد للقدرات العسكرية، لم يعد مرتبطًا بجبهة واحدة أو حرب محدودة، بل بتراكم العمليات عبر مسارح متعددة، ما أدى إلى إنهاك تدريجي للجاهزية، وتآكل في القدرة على الحفاظ على نفس مستوى الفاعلية مع طول أمد الاشتباك.
▪️ وقد أسهم تعدد الجبهات—من غزة إلى لبنان، مرورًا بالبحر الأحمر، وصولًا إلى المواجهة مع إيران—في تشتيت القوة العسكرية، وتقليص القدرة على تركيز الجهد في اتجاه حاسم، بحيث تحولت إدارة المعركة إلى عملية موازنة معقدة بين ساحات متزامنة، بدل أن تكون عملية حسم مركزة.
▪️ وفي هذا السياق، برز فشل واضح في تحقيق الحسم السريع، وهو أحد الركائز الأساسية في العقيدة العسكرية الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا، حيث تحولت العمليات إلى حروب ممتدة، تتآكل فيها المكاسب تدريجيًا، دون القدرة على إنهاء الصراع بصورة حاسمة.
▪️ كما شهدت صورة التفوق العسكري تآكلًا تدريجيًا، ليس فقط على مستوى الأداء، بل على مستوى الرمزية، حيث تعرضت هيبة القواعد العسكرية الأمريكية، وحاملات الطائرات—بوصفها أيقونات القدرة العالمية—لاهتزاز ملحوظ، بعدما أصبحت في مرمى التهديد والاستهداف، أو عاجزة عن فرض سيطرة مطلقة كما في السابق.
وهكذا لم تعد القوة العسكرية تمثل أداة حسم حاسمة، بل أصبحت جزءًا من معادلة استنزاف متبادل، تتراجع فيها فاعلية التفوق كلما اتسعت الجبهات وطال أمد الصراع، وتتعرض فيها رموز القوة نفسها لاختبار غير مسبوق.
🟤 الخسائر السياسية
▪️ تصاعدت داخل الولايات المتحدة موجات معارضة متنامية للانخراط في حروب مفتوحة في المنطقة، مع تزايد كلفتها وتعقّد مساراتها، وتنامي الانتقادات للدعم غير المشروط لإسرائيل، حتى بدا في نظر قطاعات واسعة أن أولوية القرار تميل نحو “إسرائيل أولًا” على حساب “أمريكا أولًا”، وهو ما ألقى بظلاله على الخطاب السياسي الداخلي وعمّق حالة الاستقطاب.
▪️ كما تراجعت الثقة في القيادة والتقديرات الإسرائيلية، بعد سلسلة من الإخفاقات في التنبؤ بالتهديدات أو حسمها، ما انعكس سلبًا على صورة المؤسسة السياسية والأمنية، وأضعف قدرتها على إقناع الداخل والخارج بسلامة خياراتها.
▪️ وتحت ضغط الحروب الممتدة، تعمّقت الضغوط الأمريكية الداخلية، سياسيًا ومجتمعيًا، مع تصاعد الانقسامات، وتزايد الأعباء الاقتصادية، وتراجع الشعور بالأمان، ما جعل بيئة اتخاذ القرار أكثر هشاشة وتعقيدًا.
▪️ وعلى صعيد العلاقات الدولية، برزت خلافات متزايدة مع الحلفاء الغربيين وداخل إطار الناتو، سواء بشأن إدارة الصراع أو حدوده أو كلفة الاستمرار فيه، بما قلّص من هامش الدعم التقليدي، وفتح المجال لمواقف أكثر تحفظًا أو انتقادًا.
▪️ وفي السياق ذاته، تراجعت ثقة دول الخليج في قدرة الولايات المتحدة على تأمين أراضيها، بل تحوّلت القواعد والمصالح الحيوية—في ظل التصعيد—إلى مصادر تهديد، ما أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الترتيبات الأمنية القائمة.
▪️ ونتيجة لذلك، برزت محدودية متزايدة في القدرة على فرض الإرادة السياسية، حيث لم تعد واشنطن وتل أبيب قادرتين على توجيه مسارات الصراع أو فرض مخرجاته كما في السابق، بل أصبحت قراراتهما محكومة بتوازنات معقدة وضغوط متعددة المستويات.
وهكذا تآكلت القدرة السياسية على تحويل القوة إلى نفوذ فعّال، مع تصاعد الضغوط الداخلية، وتراجع الثقة، واهتزاز منظومة التحالفات، بما يعكس تحولًا عميقًا في طبيعة التأثير السياسي للمشروع الأمريكي–الإسرائيلي.
🟤 الخسائر الاستراتيجية الأمريكية
▪️ أظهرت التطورات المتلاحقة منذ طوفان الأقصى نمطًا واضحًا من استنزاف النفوذ الأمريكي في المنطقة، حيث لم يعد الحضور العسكري والسياسي كافيًا لضمان التحكم في مسارات الأحداث أو توجيهها، بل أصبح عرضة للضغط والتحدي في أكثر من ساحة.
▪️ كما تراجعت القدرة على إدارة الإقليم بصورة متماسكة، مع تعقّد الأزمات وتداخلها، وتعدد الفاعلين، بما جعل الدور الأمريكي أقرب إلى إدارة توازنات هشة، بدلًا من قيادة منظومة إقليمية مستقرة كما كان يُفترض.
▪️ وفي هذا السياق، انكشفت حدود القوة الأمريكية، ليس من حيث الحجم أو الإمكانات، بل من حيث القدرة على تحويل هذه القوة إلى نتائج حاسمة، خاصة في بيئة تعتمد على الاستنزاف، وتعدد الجبهات، ومرونة الخصوم.
▪️ وتفاقمت كلفة دعم المشروع الصهيوني، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو الاقتصادي، حيث أصبح هذا الدعم عبئًا متزايدًا على واشنطن، في ظل تزايد الانتقادات الداخلية والخارجية، واتساع دائرة الأزمات المرتبطة به.
▪️ ونتيجة لذلك، بدأ الشرق الأوسط يتحول من ساحة نفوذ مضمونة إلى عبء استراتيجي، يستنزف الموارد، ويُقيد الحركة، ويُضعف القدرة على التركيز على أولويات متزايدة أخرى في النظام الدولي.
وهكذا لم تعد الولايات المتحدة قادرة على إدارة الإقليم بنفس أدوات الماضي، بل أصبحت تواجه بيئة تفرض عليها التكيف مع حدود قوتها، وتعيد تعريف دورها من الهيمنة إلى إدارة التعقيد.
🟤 الخسائر المعنوية والسردية
▪️ شهدت المرحلة تآكلًا متسارعًا في السردية الإسرائيلية على المستوى العالمي، حيث لم تعد الرواية التقليدية قادرة على تفسير ما يجري أو تبريره، خاصة في ظل تدفق غير مسبوق للصور والمعلومات التي كشفت واقع العمليات على الأرض.
▪️ وفي المقابل، صعدت الرواية الفلسطينية بصورة لافتة، مستفيدة من هذا الانكشاف، ومن قدرتها على مخاطبة الرأي العام العالمي بلغة إنسانية مباشرة، ما أعاد تشكيل موازين التأثير في الفضاء الإعلامي والدولي.
▪️ كما اتسعت مظاهر رفض السياسات الإسرائيلية داخل المجتمعات الغربية نفسها، حيث برزت احتجاجات ومواقف شعبية متزايدة تنتقد العدوان والاستخدام المفرط للقوة، وهو ما شكّل ضغطًا غير مسبوق على الحكومات الداعمة.
▪️ وترافقت هذه التحولات مع اتساع الانتقادات الدولية، سواء من منظمات حقوقية أو من بعض الدوائر السياسية، ما أضعف القدرة على الحفاظ على إجماع دولي داعم كما في مراحل سابقة.
▪️ وفي هذا السياق، تعرضت الشرعية القانونية والأخلاقية لتآكل واضح، مع القرارات الصادرة من محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب الاتهامات المرتبطة باستهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المدارس والمساجد والكنائس والمستشفيات.
وهكذا، لم تعد المعركة محصورة في الميدان العسكري، بل انتقلت بقوة إلى ميدان السردية والشرعية، حيث فقد المشروع الإسرائيلي والعسكرية الأمريكية جزءًا مهمًا من قدرتها على إقناع العالم بعدالة روايتها، وهو ما ينعكس مباشرة على شرعيتها وتأثيرها في المدى المتوسط والبعيد.
🟤 خسائر التحالفات
▪️ أفرزت التطورات المتلاحقة اهتزازًا ملحوظًا في ثقة الحلفاء بقدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على إدارة الصراع بكفاءة أو ضمان الاستقرار، حيث لم تعد نتائج التدخلات تعكس صورة القوة الحاسمة التي بُنيت عليها هذه التحالفات.
▪️ كما برزت مؤشرات واضحة على تردد بعض الدول في الانخراط المباشر في المواجهات، بل ورفض بعضها ذلك، إدراكًا لتزايد الكلفة وتعقّد المشهد، ما أضعف من تماسك الجبهة الداعمة، وقلّص من فعالية التحالفات التقليدية.
▪️ وفي هذا السياق، بدأت العديد من الدول في إعادة تقييم علاقاتها الاستراتيجية، سواء من حيث درجة الاعتماد على واشنطن، أو طبيعة التنسيق مع إسرائيل، بما يعكس تحوّلًا من الثقة المطلقة إلى الحذر وإعادة الحسابات.
▪️ بالتوازي مع ذلك، صعدت أدوار قوى إقليمية بديلة، استطاعت أن تملأ بعض الفراغات، أو تقدم نفسها كفاعلين قادرين على الوساطة أو التأثير، وهو ما أعاد تشكيل خريطة النفوذ، وقلّل من احتكار المشروع الأمريكي–الإسرائيلي لمسارات القرار.
وهكذا، لم تعد التحالفات قائمة على الثقة المستقرة أو الالتزام الكامل، بل أصبحت أكثر سيولة وحذرًا، بما يعكس تراجع القدرة على بناء جبهة متماسكة قادرة على دعم المشروع كما في السابق.
🟤 التحول في طبيعة المشروع الصهيوني
▪️ تكشف التطورات المتلاحقة عن انتقال تدريجي في طبيعة المشروع الصهيوني، من مشروع توسعي يسعى إلى إعادة تشكيل الإقليم وفرض وقائع جديدة، إلى مشروع يغلب عليه الطابع الدفاعي، يركز على حماية ما تحقق، واحتواء التهديدات المتزايدة، وإن بدا ذلك في صورة التمدد.
▪️ كما تراجع منطق فرض الهيمنة المباشرة، لصالح نمط يقوم على إدارة الأزمات المتتالية، حيث لم تعد القدرة على التحكم الكامل في المسارات ممكنة، بل أصبح الهدف هو الحد من الخسائر، ومنع الانفجار الشامل، والحفاظ على توازنات قابلة للاستمرار.
▪️ وفي هذا السياق، انتقل من نموذج الحسم السريع—الذي شكّل أحد أعمدة التفوق العسكري—إلى نموذج الاستنزاف الممتد، حيث تتآكل القدرات تدريجيًا، وتتراكم التحديات دون قدرة واضحة على إنهاء الصراع بصورة نهائية.
▪️ ويعكس هذا التحول تغيرًا أعمق في بنية المشروع، إذ لم يعد قائمًا على المبادرة المطلقة، بل بات يتحرك في إطار ردود الفعل، والتكيف مع بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا وتعددًا في مصادر التهديد.
وهكذا، لم يعد المشروع الصهيوني يعمل وفق قواعده القديمة، بل دخل مرحلة إعادة تعريف، حيث تراجعت قدرته على التوسع والحسم، مقابل تصاعد الحاجة إلى إدارة المخاطر والبقاء ضمن معادلات متغيرة.
🟤 هل نحن أمام تراجع أم إعادة تشكيل؟
▪️ يذهب اتجاه إلى أن ما جرى منذ طوفان الأقصى يمثل تراجعًا استراتيجيًا واضحًا، يستند إلى تآكل منظومات الردع، وتعدد الجبهات، وتعاظم كلفة الحروب، بما يعكس انتقال المشروع الأمريكي–الإسرائيلي من موقع المبادرة إلى موقع الدفاع وإدارة الأزمات.
▪️ في المقابل، يرى اتجاه آخر أن ما يحدث لا يرقى إلى مستوى التراجع الجوهري، بل يُعد عملية إعادة تموضع قسرية، تهدف إلى التكيف مع بيئة إقليمية ودولية متغيرة، وإعادة ترتيب الأدوات والتحالفات بما يسمح باستعادة جزء من الفاعلية لاحقًا.
▪️ غير أن القراءة الأقرب إلى التوازن تشير إلى أننا أمام حالة مركبة، تجمع بين تراجع في بعض عناصر القوة، ومحاولة موازية لإعادة البناء والتكيف، حيث لم يعد المشروع قادرًا على العمل بنفس قواعد الماضي، لكنه في الوقت ذاته لم يفقد كل أدواته أو قدرته على التأثير.
▪️ هذه الحالة الوسطية تعني أن المرحلة ليست مرحلة انهيار، ولا استقرار، بل مرحلة انتقال، تتسم بسيولة عالية، وتفتح المجال أمام احتمالات متعددة، تتحدد مآلاتها وفق قدرة الأطراف على إدارة التحديات واستثمار الفرص.
وهكذا، فإننا لسنا أمام نهاية المشروع، ولا أمام استمراره كما كان، بل أمام طور انتقالي يعاد فيه تشكيل التوازنات، وتُختبر فيه حدود القوة وإمكانات إعادة البناء.
🟤 انعكاسات الخسائر على الإقليم
▪️ أدت الخسائر المتراكمة إلى فتح المجال أمام صعود قوى إقليمية في مقدمتها تركيا حيث سعت إلى ملء الفراغ النسبي في النفوذ، مستفيدة من تراجع القدرة الأمريكية–الإسرائيلية على ضبط الإقليم، بما أعاد توزيع مراكز التأثير، وخلق توازنات أكثر تعبيرا عن مصالح الإقليم.
▪️ كما اتسع دور الفاعلين غير الدوليين بصورة غير مسبوقة، حيث أصبحت هذه القوى—بما تمتلكه من مرونة وقدرة على الحركة—عنصرًا مؤثرًا في معادلات الصراع، لا مجرد أدوات هامشية، وهو ما أعاد تعريف طبيعة الفعل السياسي والعسكري في المنطقة.
▪️ وفي هذا السياق، دخل الإقليم مرحلة من السيولة الاستراتيجية، لم تعد فيها التحالفات ثابتة، ولا الاصطفافات مستقرة، بل باتت العلاقات تخضع لإعادة تشكيل مستمرة، وفق تطورات الميدان وتغير أولويات الأطراف.
▪️ ونتيجة لذلك، شهدت موازين القوى تحولات ملحوظة، حيث تراجعت الهيمنة الأحادية، لصالح بيئة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها مستويات القوة، وتتصاعد فيها أهمية العوامل غير التقليدية، مثل الإرادة السياسية، والقدرة على الصمود، وإدارة الصراع طويل الأمد.
وهكذا، فالإقليم لم يعد ساحة تُدار من مركز واحد، بل أصبح فضاءً مفتوحًا لتنافس متعدد الأطراف، تحكمه معادلات متغيرة، وتوازنات قيد التشكل.
🟤 الفرص المقابلة لهذه الخسائر
▪️ تفتح هذه التحولات المجال أمام إعادة بناء أدوار الحركات الشعبية، وفي مقدمتها الحركات الإسلامية، عبر الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة، مستفيدة من تراجع الضغوط التقليدية واتساع هوامش الحركة، بما يسمح بإعادة صياغة حضورها السياسي والمجتمعي بصورة أكثر تأثيرًا.
▪️ كما يمثل تآكل السردية الإسرائيلية فرصة نوعية لإعادة تقديم الرواية المقابلة، ليس فقط على المستوى العاطفي، بل عبر بناء خطاب أكثر تماسكًا ومصداقية، قادر على التأثير في الرأي العام العالمي، واستثمار التحولات في الوعي الدولي.
▪️ وفي السياق ذاته، تبرز إمكانية توسيع التأثير المجتمعي، من خلال تعميق الحضور داخل المجتمعات، وبناء شبكات دعم ممتدة، تستند إلى قضايا حقيقية تمس حياة الناس، بما يعيد ربط العمل العام بالبيئة الاجتماعية، ويمنحه استدامة أكبر.
▪️ كما تتيح هذه المرحلة فرصة لبناء تحالفات جديدة، أكثر مرونة وتنوعًا، تتجاوز الأطر التقليدية، وتقوم على تقاطعات المصالح، بدل الاصطفافات الأيديولوجية الصلبة، بما يعزز القدرة على التأثير في بيئة إقليمية ودولية متغيرة.
وفي هذا الإطار، ليست كل الخسائر تهديدًا، بل قد تتحول—إذا أُحسن استثمارها—إلى مداخل لإعادة البناء، وتوسيع الفاعلية، وصياغة أدوار أكثر حضورًا وتأثيرًا.
🟤 السيناريوهات المستقبلية
▪️ يشير سيناريو استمرار الاستنزاف إلى بقاء الصراع في حالة مفتوحة دون حسم، حيث تتواصل المواجهات منخفضة ومتوسطة الحدة عبر جبهات متعددة، بما يؤدي إلى استنزاف تدريجي للقدرات، ويُبقي الإقليم في حالة توتر دائم دون انتقال إلى تسوية نهائية.
▪️ في المقابل، يطرح سيناريو إعادة بناء الردع احتمال سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى ترميم صورة القوة، عبر عمليات نوعية أو ترتيبات أمنية جديدة، تهدف إلى استعادة القدرة على التأثير والردع، ولو جزئيًا، بما يعيد ضبط بعض معادلات الصراع.
▪️ أما سيناريو التصعيد الأوسع، فيقوم على احتمالية انزلاق المواجهة إلى نطاق إقليمي أشمل، نتيجة خطأ في الحسابات أو تداخل الجبهات، بما قد يفتح الباب أمام مواجهات مباشرة بين قوى كبرى أو إقليمية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر عالية على الاستقرار العام.
▪️ في حين يعكس سيناريو التسويات المرحلية اتجاهًا نحو احتواء التصعيد عبر اتفاقات جزئية أو هدن مؤقتة، تُدار من خلالها الأزمات دون حل جذري، بما يسمح للأطراف بإعادة ترتيب أوضاعها، مع بقاء جذور الصراع قائمة وقابلة للاشتعال مجددًا.
وهكذا، تتسم المرحلة بتعدد المسارات الممكنة، دون ترجيح حاسم لأحدها، ما يعكس طبيعة إقليم يعيش حالة انتقال، حيث تتداخل فرص التهدئة مع احتمالات التصعيد، في بيئة مفتوحة على كل السيناريوهات.
🟤 الخاتمة
تكشف الخسائر التي تكبدها المشروع الأمريكي–الإسرائيلي منذ طوفان الأقصى أنها لم تعد مجرد نتائج متفرقة لحروب متتابعة، بل مؤشرات على تحوّل أعمق في بنية القوة والتأثير داخل الإقليم. فالمعادلات التي حكمت المنطقة لعقود لم تعد تعمل بالكفاءة ذاتها، والقدرة على الحسم أو فرض الإرادة لم تعد كما كانت.
ومع ذلك، لا يعني هذا التحول انهيار المشروع، بقدر ما يعكس انتقاله إلى طور جديد، تتراجع فيه الهيمنة الصلبة لصالح إدارة صراع مفتوح، تتداخل فيه أدوات القوة مع حسابات الاستنزاف والتوازنات المعقدة، بما يفتح في الوقت ذاته نوافذ لاحتوائه والحد من تأثيره بما يخدم مصالح المنطقة وشعوبها.
وبين هذين الحدّين، تدخل المنطقة مرحلة إعادة تشكيل ممتدة، لا تُحسم سريعًا، ولا تستقر قريبًا، بل تُعاد فيها صياغة موازين القوى، وتُختبر فيها حدود الفاعلين، وتُفتح خلالها مساحات جديدة للصعود والتراجع.
وهكذا، لسنا أمام نهاية مشروع، بل أمام تحوّل في طبيعته عنوانه صراع مفتوح، وإقليم يُعاد تشكيله على مهل، بما يعيد توزيع القوة، ويفتح المجال أمام مسارات أكثر اتساقًا مع مصالح شعوب المنطقة وقضاياها.
🟤 توصيات مركز حريات
▪️ ضرورة قراءة الخسائر في سياقها التراكمي الممتد، لا بوصفها لحظات عابرة، بما يسمح بفهم اتجاهات التحول العميق بدل الاكتفاء بمتابعة نتائجه الظاهرة.
▪️ استثمار التحولات الجارية بقدر من التوازن، بعيدًا عن المبالغة التي تُنتج أوهامًا، أو التهوين الذي يُفقد الفرص، عبر تقدير دقيق لحجم التغير وحدوده.
▪️ بناء رؤى استراتيجية مؤسسة على فهم طبيعة هذه المرحلة ومنطقها، بما يربط بين المتغيرات العسكرية والسياسية والسردية ضمن إطار تحليلي واحد.
▪️ تجنب الرهان على ضعف أو تراجع الخصم وحده، والعمل بدلًا من ذلك على بناء عناصر قوة ذاتية قادرة على الاستمرار والتأثير بغض النظر عن تقلبات الطرف الآخر.
▪️ تطوير أدوات التأثير—السياسية والإعلامية والمجتمعية—بما يتناسب مع بيئة أكثر تعقيدًا، تتطلب مرونة أعلى، وقدرة على التكيف، واستيعاب تحولات المجالين الإقليمي والدولي.
▪️ تثمين دور الشعوب وتدعيم حضورها الفاعل، من خلال الدعوة إلى استنفار طاقاتها للقيام بدورها في مواجهة التحديات، إذ إن جوهر المخططات الجارية يستهدفها بالأساس، ولا يمكن كسرها أو إفشالها إلا بحضور شعبي واعٍ ومؤثر، يدافع عن مصيره ويصون مستقبل أجياله القادمة.





