أزمة مواعيد غلق المحال تفرض واقعا جديدا وتحرك مسارات الاقتصاد البديل والموازي

تتصدر أزمة مواعيد غلق المحال المشهد الحالي وسط حالة من الجدل الواسع عقب تطبيق القرارات الرسمية الصارمة التي تفرض إنهاء الأنشطة التجارية والترفيهية في تمام الساعة التاسعة مساء، حيث شهدت الشوارع والميادين الكبرى تحولات جذرية في طبيعة الحركة اليومية للمواطنين الذين رفضوا الانصياع لثقافة السكون الإجباري، واتجهت فئات عريضة نحو استغلال المساحات العامة والمفتوحة كبديل شرعي للمقاهي والمراكز التجارية المغلقة، الأمر الذي أدى إلى ظهور نمط حياتي مختلف تماما يعتمد على التواجد في الهواء الطلق هربا من العتمة المفروضة، وهو ما يعكس رغبة جامحة في الحفاظ على الحيوية الاجتماعية المعتادة رغم الضغوط التشغيلية الراهنة، وتستمر تداعيات أزمة مواعيد غلق المحال في التفاعل على كافة الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية بمختلف المحافظات والمدن،
تجسد تحركات الجمهور في عروس البحر المتوسط نموذجا واضحا لهذا الصمود الاجتماعي أمام القيود الزمنية الجديدة، حيث تحول كورنيش الإسكندرية إلى ملتقى جماهيري ضخم يضم الآلاف عقب غلق المقاهي والمطاعم أبوابها رسميا، وباتت الأرصفة والمساحات الشاطئية هي الملاذ الأول للعائلات والشباب الذين ينقلون تجمعاتهم من الأماكن المغلقة إلى المساحات المفتوحة، مما أدى لظهور طبقة جديدة من مقدمي الخدمات الجائلين الذين يوفرون المشروبات الساخنة والباردة والمأكولات الخفيفة بشكل مكثف وغير مسبوق، ويشير هذا الحراك الميداني إلى فشل سياسات الإغلاق المبكر في تحقيق أهدافها المعلنة بشأن تخفيف الأحمال الكهربائية، بل ساهمت في نقل الازدحام من الداخل إلى الخارج وخلق بؤر تجمع عشوائية غير محكومة رقابيا، وهو ما يضع الأجهزة التنفيذية في تحد مباشر مع واقع اجتماعي يرفض التغيير النمطي القسري،
تداعيات نمو الاقتصاد الموازي وتأثيره على الأسواق الرسمية
تسببت قرارات التقييد الزمني في نشوء اقتصاد موازي ضخم ينمو بسرعة الصاروخ بعيدا عن أعين الرقابة الضريبية أو التنظيمية، حيث تشير البيانات الميدانية إلى أن إغلاق المنشآت الرسمية عند التاسعة مساء قد منح الضوء الأخضر للباعة الجائلين والمتجولين للسيطرة على الشوارع والميادين، ويقوم هؤلاء بتقديم كافة الخدمات التي كانت تقدمها المقاهي والمطاعم الصادر بحقها قرارات الغلق، مما يحرم الخزانة العامة من عوائد الرسوم والضرائب التي كان يسددها القطاع الرسمي الملتزم بالقوانين، ويوضح الخبراء أن هذا التحول يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في مقتل، ويجعل المنشآت القانونية هي المتضرر الأكبر من هذه السياسات التي تبدو ظاهريا موفرة للطاقة ولكنها جوهريا مدمرة للدورة المالية المستقرة، وسط استمرار أزمة مواعيد غلق المحال التي أربكت حسابات القطاع التجاري الخاص بشكل كامل مؤخرا،
تفتقر الحلول الحالية القائمة على سياسة الإظلام والمنع إلى الرؤية التحليلية العميقة لطبيعة استهلاك الطاقة أو العادات الاستهلاكية المحلية، إذ تظهر النتائج أن التجمعات الكبرى في الميادين تستنزف طاقة الإضاءة العامة وخدمات أخرى دون أي عائد إنتاجي يذكر، وتعتبر هذه الإجراءات بمثابة مسكنات مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة المتعلقة بنقص إمدادات الوقود أو كفاءة محطات التوليد، بل تخلق أزمات اجتماعية إضافية تتمثل في التكدس المروري الليلي وزيادة معدلات الضوضاء في المناطق السكنية المجاورة للميادين العامة، ويطالب المتابعون بضرورة إيجاد بدائل تكنولوجية واستثمارية بعيدا عن قرارات تخفيف الأحمال التقليدية التي أرهقت المواطن وأضرت بالنشاط الاقتصادي المباشر، وتظل أزمة مواعيد غلق المحال هي المحرك الأساسي لحالة الاحتقان المكتوم لدى أصحاب الأعمال الذين يرون في هذه المواعيد تهديدا مباشرا لمستقبل استثماراتهم المالية في السوق،







