كواليس أزمة القروض المتعثرة في القطاع المصرفي ومسؤولية إدارة البنك المركزي المصري

تتصاعد حدة التساؤلات حول ملف أزمة القروض المتعثرة التي تضرب أركان المنظومة المالية والمصرفية حاليا، حيث كشفت البيانات الرسمية عن أرقام مرعبة تتعلق بمديونيات ضخمة لم يتم تحصيلها، مما يضع البنك المركزي المصري بصفته الرقيب الأول تحت مجهر المساءلة النقدية، وتكشف التقارير الفنية أن هذه المديونيات لم توجه إلى مسارات إنتاجية تعزز الاقتصاد الوطني، بل استنزفت في أوجه إنفاق ترفيهية لا تخدم المصلحة العامة، مما يثير الدهشة حول غياب الرقابة الصارمة على تدفق أموال المودعين التي منحت لأسماء محددة دون ضمانات كافية،
تجسد مديونية رجل الأعمال محمد الخشن التي تخطت حاجز 40 مليار جنيه ذروة أزمة القروض المتعثرة، حيث يظهر هذا الرقم الفلكي حجم التساهل في منح الائتمان لشركات تعاني من خلل هيكلي واضح، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت دائرة التعثر لتشمل الفنان ورجل الأعمال عماد زيادة وشقيقه بمديونيات تراوحت قيمتها ما بين 11 و14 مليار جنيه، وهي مبالغ ضخمة تثير القلق حول مصير السيولة داخل البنوك المقرضة، خاصة في ظل المظاهر الاستهلاكية الباذخة التي يمارسها المقترضون مثل اقتناء سيارات بوجاتي ورولز رايس بمئات الملايين،
إعادة جدولة الديون وتفاقم مديونيات شركة إيفرجرو للأسمدة
بدأت ملامح أزمة القروض المتعثرة في الظهور بشكل علني منذ عام 2022، حينما سعى محمد الخشن عبر شركة إيفرجرو للحصول على تمويل إضافي بقيمة 900 مليون جنيه، ورغم أن الشركة كانت تخضع لإعادة جدولة مديونياتها على مدار 13 عاما، إلا أن التحالف المصرفي بقيادة البنك الأهلي المصري والبنك العربي الأفريقي واصل ضخ السيولة، هذا التوجه المصرفي يعكس خللا في تقييم الجدارة الائتمانية، حيث تم تصوير الأزمة كحاجة عابرة لرأس المال العامل، بينما كانت الحقيقة تشير إلى تعثر عميق يهدد استقرار المحافظ المالية للكيانات المصرفية الكبرى،
تفرض أزمة القروض المتعثرة ضرورة مراجعة كافة السياسات التي تتبعها البنوك الحكومية والخاصة في التعامل مع كبار المقترضين، فبينما يعاني صغار المستثمرين من شروط تعجيزية، يحصل المقترضون الكبار على مليارات الجنيهات التي تتحول لاحقا إلى ديون معدومة، إن الربط بين مديونية شركة إيفرجرو وبين الثراء الفاحش لعائلة المقترضين يضع علامات استفهام كبرى حول كفاءة الأجهزة الرقابية بالبنك المركزي، والتي سمحت بتراكم هذه الفجوة المالية دون تدخل حاسم يضمن استعادة حقوق المودعين ويحمي القطاع من هزات عنيفة قد تؤثر على التصنيف الائتماني،
تتطلب أزمة القروض المتعثرة تحركا عاجلا لتصحيح المسار الائتماني ومنع تكرار سيناريوهات تبديد السيولة في استثمارات غير منتجة، ويجب أن تشمل المحاسبة كافة المسؤولين الذين وافقوا على منح تلك القروض دون دراسات جدوى حقيقية أو ضمانات عينية توازي قيمة المديونيات، إن الحفاظ على استقرار السوق يتطلب الشفافية المطلقة في كشف حجم المديونيات المتعثرة لكل رجل أعمال، والعمل على استرداد تلك المليارات التي تخص الشعب، بعيدا عن سياسات التغطية التي أدت في النهاية إلى وصول مديونية محمد الخشن وعائلة زيادة إلى هذه الأرقام المزعجة والمهددة للأمان المالي،







