مقالات وآراء

محمد عماد صابر يكتب: الخليج.. صخبُ المَضيق وصمتُ الحِصار!

لم تكن شمس الثالث عشر من أبريل 2026 مجرد إعلانٍ عن نهارٍ جديد، بل كانت كاشفةً لستارٍ من الفولاذ تمدد فوق زرقة الخليج، ليحيله إلى “بحيرةٍ من المخاوف”. في تلك الصبيحة، لم يرتطم الموج بالشطآن كما اعتاد، بل ارتطم بحقيقةٍ جيوسياسيةٍ مريرة: أن الممر الذي يغذي مصابيح العالم بالضوء، قد يُظلم في طرفة عين بقرارٍ عابرٍ للقارات.
هذا الحصار ليس مجرد تطويقٍ للموانئ، بل هو استنزافٌ لروح “المرور الحر”. هنا في مضيق هرمز، حيث يضيق الخناق وتتسع الهواجس، تمارس “القبضة الأمريكية” لعبة الضغط الهيدروليكي، محاولةً عصر القرار الإيراني حتى الرمق الأخير. وفي المقابل، تتقن طهران فن “الرقص على حافة الهاوية”؛ فهي لا تواجه البوارج ببوارج مماثلة، بل تواجه “الغطرسة البحرية” بـ “فوضى منظمة”. إنها حربُ الظلال، حيث يتحول كل لغمٍ تائه، وكل طائرةٍ مسيرة رخيصة، إلى “قنبلةٍ اقتصادية” تفجر موازين البورصات في طوكيو ولندن ونيويورك قبل أن تصيب هدفها العسكري.
في هذه اللحظة، لا يئنُّ الإيراني وحده تحت وطأة الجوع، بل يئنُّ معه العامل في مصانع شنغهاي، والمزارع في ريف الهند، والمستهلك في قلب أوروبا. لقد قفز النفط فوق حاجز المئة دولار، لا بفعل نقص الموارد، بل بفعل “علاوة الرعب”. هذا اللهيب السعري هو السوط الذي يجلد به “المضيق” ظهر العالم؛ فالتضخم لم يعد رقماً في نشرات الأخبار، بل أصبح وحشاً ينهش جيوب الفقراء، محولاً “الحصار” من شأنٍ إقليمي إلى “جريمةٍ اقتصادية” عابرة للحدود، تضعف “الجبهة الغربية” وتشرخ وحدة الحلفاء تحت ضغط الحاجة للطاقة.
وعلى ضفاف هذا الصراع، تقف العواصم الخليجية في أصعب اختبارٍ وجوديٍ لها. إنها حالة “الحياد المشتعل”؛ حيث تحاول هذه الدول حماية “واحاتها التنموية” من شظايا الانفجار الكبير. فالموانئ التي كانت أيقوناتٍ للعولمة والرخاء، باتت اليوم ترقب الأفق بحذر، خشية أن يتحول “صخب المضيق” إلى صمتٍ مطبق يُجبر العالم على البحث عن مساراتٍ بديلة. إن الرهان الخليجي اليوم هو رهانُ “البقاء الذكي”: كيف تدعم الاستقرار دون أن تُحسب على معسكر التصعيد؟ وكيف تحمي أمنها دون أن تصبح ساحةً لتصفية الحسابات؟
إن ما يحدث اليوم هو “انكسارُ هيبة القانون”. فالحصار أحادي الجانب قد ألقى باتفاقيات الأمم المتحدة لقانون البحار في سلة النسيان، فاتحاً الباب أمام “قانون القوة” ليحل محل “قوة القانون”. وهذا التآكل في الشرعية هو الثغرة التي تتسلل منها القوى المنافسة؛ حيث ترسم بكين وموسكو لنفسيهما صورة “المنقذ العاقل”، الذي يمد يد العون عبر “مسارات الالتفاف” وطرق التجارة البديلة، ليس حباً في طرفٍ على حساب آخر، بل سعياً لهدم “العرش البحري” الذي تتربع عليه واشنطن منذ عقود.
إن الخليج العربي اليوم ليس مجرد “خزان نفط”، بل هو “بوصلة ضمير العالم”. وإذا ما استمر هذا الاستنزاف الطويل، فإن المنطقة قد تشهد إعادة ترتيبٍ هيكلية لا تبقي ولا تذر، حيث ستُهجر المسارات المائية لصالح الأنابيب البرية، وتفقد الجغرافيا سحرها لصالح الضرورة الأمنية.
إن المخرج الوحيد من هذا النفق ليس في “النصر الساحق”، بل في “التراجع الشجاع”. إنها لحظة الحاجة إلى “دبلوماسية العمق” التي تدرك أن استقرار الخليج هو صمام أمان الكوكب، وأن العبث بهذا الصمام هو انتحارٌ جماعي. المجدُ لن يكون لمن يطلق الرصاصة الأولى، بل لمن يملك الحكمة ليمنع إطلاقها، ويعيد للمضيق صوته الطبيعي كجسرٍ للحياة، لا كخندقٍ للموت.
14-04-2026

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى