الحرب في الشرق الأوسطملفات وتقارير

إلى أين تتجه دول الخليج من هنا؟ لقد دمّرت الحرب الأمريكية مع إيران نموذجها الاقتصادي

كتب اليوم ستيفن أ. كوك محلل أمريكي متخصص في شؤون غرب آسيا (الشرق الأوسط)، وزميل أول في مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن :

على مدى عقود، قامت الاستراتيجية الاقتصادية لدول الخليج على معادلة واضحة: بيئة إقليمية مستقرة نسبيًا، مظلة أمنية أمريكية، وتدفق مستمر لعائدات الطاقة يُعاد توظيفه في مشاريع التنمية والتنويع. هذه المعادلة لم تعد قائمة كما كانت.

الحرب بين الولايات المتحدة وإيران كشفت حدود هذا النموذج. لم يعد الاستقرار مضمونًا، ولم تعد الحماية الخارجية كافية لعزل اقتصادات الخليج عن تداعيات الصراع.

البنية التحتية التي كانت تُعد مصدر قوة من منشآت الطاقة إلى الموانئ والمطارات أصبحت أهدافًا محتملة، ما غيّر حسابات المخاطر بشكل جذري.

اعتمدت دول الخليج خلال السنوات الماضية على جذب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير قطاعات السياحة والخدمات، وبناء مراكز مالية عالمية. كل ذلك يفترض بيئة آمنة وقابلة للتنبؤ. لكن الواقع الجديد يشير إلى أن المخاطر الجيوسياسية لم تعد خارجية، بل أصبحت جزءًا من البيئة الداخلية نفسها.

كما أن العلاقة مع الولايات المتحدة، التي شكلت أساس الأمن الإقليمي لعقود، لم تعد توفر نفس الضمانات.

الارتباط الوثيق بواشنطن جعل هذه الدول أكثر عرضة للارتدادات المباشرة لأي تصعيد، في حين أن قرارات الحرب والسلم لا تُتخذ في العواصم الخليجية، بل في سياق استراتيجي أوسع لا تتحكم به.
نتيجة لذلك، بدأت الأولويات تتغير. الموارد التي كانت تُخصص لمشاريع التنمية والتنويع تُعاد توجيهها نحو الأمن والدفاع. هذا التحول لا يعني فقط زيادة الإنفاق العسكري، بل يعكس إعادة تعريف شاملة لأولويات الدولة، حيث تصبح الحماية مقدمة على التوسع الاقتصادي.

الأسواق بدورها استجابت بسرعة. الهجمات على البنية التحتية وسلاسل الإمداد أدت إلى تراجع الثقة الاستثمارية وارتفاع تقييم المخاطر. حتى في حال توقف التصعيد، فإن أثر هذه الصدمة سيبقى، لأن المستثمرين يعيدون حساباتهم على أساس أن المنطقة لم تعد معزولة عن النزاعات.

في هذا السياق، تواجه دول الخليج خيارات صعبة. يمكنها الاستمرار في الاعتماد على الولايات المتحدة مع تحمل كلفة التصعيد، أو محاولة خفض التوتر مع إيران بما قد يفرض قيودًا على حركتها الاستراتيجية، أو السعي لتنويع شراكاتها الدولية لتقليل الاعتماد على طرف واحد. لكن أياً من هذه الخيارات لا يعيد البيئة السابقة كما كانت.

الخلاصة أن ما حدث لا يقتصر على أزمة عابرة، بل يمثل تحولًا أعمق. النموذج الذي قام على الفصل بين الاقتصاد والأمن لم يعد قابلًا للاستمرار.

في بيئة دولية تتسم بالتنافس والصراع، يصبح النمو الاقتصادي مرتبطًا مباشرة بقدرة الدول على إدارة المخاطر، وليس فقط جذب الفرص.

انتهى

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى