أزمة جبل الزيت تكشف تحديات برنامج الطروحات الحكومية وتعرقل خطط الاستثمار الأجنبي

تواجه صفقات الاستثمار في محطة جبل الزيت لطاقة الرياح تحديات هيكلية واسعة أدت إلى تعثر مسار التفاوض مع الجانب الإماراتي خلال المرحلة الراهنة، ويأتي هذا الارتباك في وقت تسعى فيه الحكومة لتنفيذ برنامج الطروحات لجذب النقد الأجنبي، إلا أن تداخل الشروط الفنية والمالية المرتبطة بمؤسسات التمويل الدولية حال دون إتمام التخارج، مما يضع ملف إدارة الأصول الاستراتيجية تحت مجهر النقد الموضوعي نتيجة غياب التنسيق المسبق مع الجهات المانحة للقروض الميسرة التي مولت المشروع في بدايته،
تتصدر أزمة محطة جبل الزيت المشهد الاقتصادي بعد ظهور اعتراضات رسمية من مؤسسات دولية كبرى مثل شركة سيمنز وبنك التنمية الألماني على شروط البيع المقترحة، وترتكز هذه الاعتراضات على طبيعة العقود الأصلية التي صممت المشروع كمرفق تنموي يهدف لخدمة الاقتصاد الوطني وليس كأصل تجاري مخصص لتحقيق أرباح رأسمالية سريعة، ويفرض هذا الواقع قيودا قانونية تمنح الممولين حق الفيتو على تغيير ملكية المحطة، وهو ما لم يوضع في الحسبان عند البدء في إجراءات الطرح التي وصلت لمراحل متقدمة قبل التوقف المفاجئ،
كواليس التقييم المالي وتحديات الديون السيادية
تكشف الأرقام المتاحة عن فجوة كبيرة بين القيمة المقدرة للصفقة بنحو 420 مليون دولار وبين تكاليف الإنشاء الفعلية التي تجاوزت حاجز 1.6 مليار دولار، وتثير هذه المقارنة تساؤلات حول جدوى التخلص من أصول استراتيجية بأسعار تقل كثيرا عن قيمتها الحقيقية تحت وطأة الحاجة الماسة للسيولة الدولارية، خاصة وأن الالتزامات المالية والقروض طويلة الأجل منخفضة الفائدة ستظل قائمة في ذمة الخزانة العامة حتى بعد انتقال ملكية المحطة للمستثمر الجديد، مما يفرغ عملية البيع من مضمونها الاقتصادي الحقيقي ويحولها لعبء مالي،
تتفاقم التداعيات الفنية نظرا لأن محطة جبل الزيت توفر طاقة نظيفة بتكلفة إنتاجية منخفضة للغاية مقارنة بالمحطات التي تعتمد على الوقود التقليدي المستورد من الخارج، ويعد التفريط في هذا المصدر المستدام في وقت يعاني فيه قطاع الكهرباء من ضغوط توفير الغاز الطبيعي والوقود الأحفوري خطوة تفتقر للرؤية التكاملية، حيث تضطر جهات الإدارة حاليا للاختيار بين التراجع عن الصفقة تماما أو الرضوخ لشروط الممولين الدوليين التي قد تشمل رفع أسعار الفائدة وتقليص فترات السداد لتحويل القرض من تنموي إلى تجاري،
مستقبل قطاع الطاقة بين ضغوط الاستثمار والالتزامات الدولية
توضح حالة محطة جبل الزيت وجود تضارب واضح في الأولويات بين الرغبة في جذب الاستثمارات الخليجية وبين ضرورة الحفاظ على استقرار الشبكة القومية للكهرباء، ويظهر جليا أن الاعتماد المفرط على بيع الأصول الجاهزة والمنتجة لا يمثل حلا جذريا للاختلالات الهيكلية في ظل وجود فائض إنتاجي مع فاقد كبير في شبكات التوزيع، مما يتطلب إعادة النظر في استراتيجية التخارج كليا، لتجنب الدخول في نزاعات قانونية مع الشركاء الأوروبيين الذين يرفضون تحويل المشروعات الخدمية إلى كيانات استثمارية خاصة هادفة للربح،
يستمر تعثر الملف في إرسال إشارات سلبية للمستثمرين حول قدرة الإدارة على تجاوز العقبات القانونية المرتبطة بالأصول الممولة دوليا، ويمثل هذا الاختبار الصعب مؤشرا على ضرورة مراجعة كافة بنود الاتفاقيات مع جهات التمويل قبل عرض المشروعات في سوق الطروحات، وذلك لضمان عدم تكرار سيناريو محطة جبل الزيت الذي كشف عن حدود المناورة المتاحة أمام الحكومة، ويظل الواقع الاقتصادي يفرض كلمته في ظل التزام الدولة بسداد أقساط الديون مع فقدان الإيرادات المباشرة التي كانت تساهم في تقليل الفجوة التمويلية،





