مأساة بسنت سليمان تفتح ملف العنف الأسري وغياب آليات الحماية العاجلة للنساء

تتصدر واقعة وفاة البلوجر بسنت سليمان اهتمامات الرأي العام بعد سقوطها من الطابق الثالث عشر في محافظة الإسكندرية يوم الرابع عشر من شهر أبريل لعام ألفين وستة وعشرين، وتكشف تفاصيل الحادثة الأليمة عن استمرار أزمة العنف الأسري التي واجهتها الضحية المعروفة بلقب “سيدة الإسكندرية” على مدار سنوات طويلة من المعاناة النفسية والجسدية، حيث وثقت الفقيدة لحظاتها الأخيرة عبر بث مباشر استمر لمدة ستين دقيقة كاملة شرحت خلالها الضغوط القاسية التي تعرضت لها قبل الإقدام على إنهاء حياتها بشكل مأساوي أمام المئات من المتابعين دون تدخل إنقاذي سريع.
تظهر السجلات والوقائع المنشورة سابقا حجم الانتهاكات التي طالت بسنت سليمان جراء تدخلات عائلة الزوج والاعتداءات اللفظية والبدنية المتكررة التي وثقتها الضحية في منشورات قديمة ومقاطع سابقة، وتؤكد المعلومات أن الضحية عانت من الحرمان من حقوقها القانونية والأساسية مع بقائها لسنوات معلقة دون الحصول على طلاق رسمي يحميها من بطش التهديدات المستمرة ضدها وضد بناتها، وهو ما يعكس خللا جسيما في منظومة الدعم الاجتماعي والقانوني التي من المفترض أن تضمن سلامة النساء وتوفر لهن ملاذا آمنا بعيدا عن دوائر الاستبداد المنزلي والضغوط الاقتصادية المتزايدة.
تداعيات غياب الحماية والتحرك الرسمي تجاه بلاغات العنف الأسري
تطرح حادثة بسنت سليمان تساؤلات جوهرية حول نجاعة التدخلات الرسمية من قبل وزارة الداخلية التي تمتلك أدوات تقنية متطورة لرصد المحتويات الرقمية الخطيرة والتعامل معها بجدية فورية، وتكشف الواقعة عن فجوة كبيرة في التعامل مع استغاثات النساء التي تطلق عبر منصات التواصل الاجتماعي خاصة في ظل تزايد حالات الانتحار التي بلغت أربع حالات خلال عشرة أيام فقط، وهو ما يستوجب إعادة النظر في آليات الاستجابة السريعة للبلاغات المتعلقة بالتهديد بالانتحار أو التعرض للتعذيب المنزلي لضمان عدم تكرار مثل هذه المشاهد الدامية التي تهز وجدان المجتمع بأسره.
يرصد المحللون غياب التفاعل المجتمعي الإيجابي لحظة وقوع الكارثة حيث لم تتحرك الجهود الفردية أو الجماعية لإبلاغ السلطات المختصة بشكل يحول دون تنفيذ الضحية لقرارها النهائي بالقفز من الشرفة، وتوضح المعطيات أن تجاهل المؤشرات التحذيرية الواضحة التي سبقت السقوط يضع الجميع أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية كبيرة تجاه قضايا العنف الأسري التي يتم التستر عليها أو التقليل من شأنها، وهو ما يفتح بابا واسعا لانتقاد السياسات التي تبرر الانتهاكات المنزلية وتترك النساء يواجهن مصيرهن المجهول في صمت قاتل خلف الأبواب المغلقة دون حماية تشريعية رادعة.
تستوجب الضرورة القصوى معالجة آلاف الشكاوى النسائية العالقة في المحاكم والمراكز القانونية والتي تظل بلا حلول جذرية تنهي مأساة “المعلقات” اللاتي يعشن ظروفا مشابهة لما مرت به الضحية، وتشير التقارير إلى أن حماية النساء من العنف الأسري تتطلب منظومة متكاملة تبدأ من الرصد الاستباقي للتهديدات وتنتهي بتوفير بيئة قانونية تضمن حقوق الضحايا بشكل عاجل، حيث أن ترك الأمور للظروف النفسية الضاغطة يؤدي حتما إلى انفجار الأزمات بشكل مأساوي كما حدث في واقعة الإسكندرية التي أعادت التأكيد على أن الصمت تجاه الجرائم الأسرية هو شريك أساسي في وقوع مثل هذه الجنايات.







