حوادث وقضايامصرملفات وتقارير

تداعيات مأساوية تفرضها التعقيدات الإدارية على ملف تجديد الرخصة المهنية للسائقين

تتصدر واقعة السائق ماهر “64 عاما” المشهد الحقوقي والعمالي بعدما كشفت عن ثغرات حادة في ملف تجديد الرخصة المهنية وتأثير البيروقراطية على الفئات الأكثر احتياجا، حيث بدأت فصول القصة الأليمة عقب محاولة السائق استعادة قدرته على كسب العيش بعد تعافيه من إصابات بالغة نتجت عن حادث سير تعرض له قبل عامين خلال عمله في نقل المياه لصالح شركة الغاز في ميناء دمياط، وتسببت هذه الإصابات في خضوعه لعمليات جراحية دقيقة لتركيب شرائح ومسامير في ساقه مما استنزف المدخرات الضئيلة للأسرة التي كانت تعتمد على معاش شهري لا يتجاوز 1700 جنيه،

يواجه السائقون أزمات متكررة عند محاولة استخراج شهادات الأهلية اللازمة لمزاولة النشاط حيث يتطلب تجديد الرخصة المهنية الحصول على موافقة القومسيون الطبي بقرية غيط النصارى، وتشير التفاصيل إلى أن المتوفى دأب على التردد على مقر اللجنة الطبية لمدة أربعة أشهر متواصلة لإنهاء إجراءات الفحص الطبي التي تعد شرطا إلزاميا لكل من يتخطى سن الستين عاما بشكل سنوي، بينما يطبق الإجراء كل ثلاث سنوات لمن هم دون ذلك السن، وتصاعدت حدة الأزمة عندما طلبت اللجنة إجراء فحص “رسم عصب وعضلات” بتكلفة تتجاوز 2600 جنيه وهو مبلغ يفوق القدرة المالية للسائق المتقاعد،

فجوات الحماية الاجتماعية وغياب العقود في قطاع النقل البري

تتجلى أبعاد الأزمة في غياب الرقابة على شركات المقاولات العامة مثل شركة “الطيار للمقاولات العامة” التي كان يعمل بها ماهر عبر مقاول أنفار دون وجود عقد عمل رسمي يضمن حقوقه، ويؤكد هذا الوضع افتقاد السائقين المشتغلين بنظام اليومية لأي مظلة تأمينية أو تعويضات في حالات العجز الكلي أو الجزئي الناتجة عن إصابات العمل، حيث لم يحصل السائق على أي دعم مالي من جهة عمله السابقة لمواجهة تكاليف العلاج الطبيعي أو التأهيل البدني المطلوب لإثبات قدرته على القيادة مرة أخرى أمام الجهات الرسمية المسؤولة عن تجديد الرخصة المهنية داخل المؤسسات المختصة،

تلقي الإجراءات المتبعة في القومسيون الطبي بظلالها على حياة آلاف السائقين الذين يعانون من تضخم الرسوم وتعدد الفحوصات المطلوبة التي ترهق كاهل أصحاب المعاشات، وفي الوقت الذي ينفي فيه مسؤولو اللجنة النقابية لعمال النقل البري بالزرقا وجود تعمد في عرقلة الإجراءات مشيرين إلى ضرورة التأكد من سلامة الأعصاب للقيادة بأمان، تظل التكلفة المرتفعة للفحوصات الخارجية حائط صد أمام استئناف العمل، وتقتصر مساهمات صندوق الحوادث والكوارث التابع للنقابة العامة على مبالغ رمزية لا تفي بمتطلبات العلاج الطويل أو توفير حياة كريمة للسائقين الذين تنتهي عضويتهم ببلوغ سن التقاعد،

قصور الدور النقابي وتفاقم معاناة السائقين المهنيين

تستمر الانتقادات الموجهة إلى الاتحاد العام لنقابات عمال مصر بسبب اقتصار دوره على تحصيل رسوم تجديد الرخصة المهنية دون تقديم خدمات حقيقية أو الدفاع عن السائقين في مواجهة الشركات، ويوضح المسؤولون أن تعويضات حالات الوفاة تصل إلى 100 ألف جنيه والإصابة نحو 40 ألف جنيه بينما يمنح الصندوق مبلغ 1500 جنيه فقط عن كل مدة اشتراك عند بلوغ سن المعاش، وهي أرقام لا تتناسب مع حجم المخاطر التي يتعرض لها السائقون على الطرق المتهالكة مثل طريق قرية الزعاترة الذي يفتقر لأدنى معايير السلامة والأمان مما يزيد من احتمالات وقوع الحوادث،

تتحمل وزارة العمل مسؤولية مراقبة توظيف السائقين بدون عقود قانونية لحمايتهم من الاستغلال وضمان صرف مستحقاتهم في حالات العجز، إلا أن الفراغ التشريعي والرقابي يترك العاملين في مواجهة مباشرة مع الفقر والتعنت الإداري الذي قد يدفع البعض إلى اليأس التام، وتظل قصة رحيل ماهر أمام باب القومسيون الطبي صرخة في وجه النظام البيروقراطي الذي يطالب السائق بفحوصات تفوق طاقته المادية دون توفير بدائل مجانية أو مدعومة، مما يستوجب إعادة النظر في منظومة تجديد الرخصة المهنية لضمان كرامة العمال وحقهم في العمل الشريف بعيدا عن الضغوط النفسية والمادية،

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى