الدكتور أيمن نور يكتب: قصواء والإقصاء… تنظيم الإعلام أم تحجيمه؟

تتسع خريطة المواقع الإخبارية في مصر مع التحول الرقمي المتسارع، حتى أصبحت المنصات الإلكترونية المساحة الأكثر حضورًا وتأثيرًا في تشكيل الوعي العام. مئات المواقع تعمل في هذا المجال، تتفاوت بين المرخّص وغير المرخّص، وبين المهني والتجاري، في بيئة تتشابك فيها حرية التعبير مع القيود التنظيمية، وتختبر فيها الدولة قدرتها على الموازنة بين الضبط والانفتاح.
تقديرات متداولة تشير إلى وجود ما بين 500 إلى 700 موقع إخباري ومنصة رقمية، بينما لا يحظى سوى جزء محدود منها بتراخيص مكتملة. هذا التفاوت يعكس فجوة حقيقية بين النص القانوني والواقع العملي، ويطرح سؤالًا ملحًا حول فلسفة إدارة المجال الإعلامي: هل نحن أمام تنظيم ضروري، أم تحجيم متدرج؟
القوانين الصادرة في السنوات الأخيرة منحت الجهات التنظيمية صلاحيات واسعة لضبط الأداء الإعلامي، بهدف حماية المجتمع من الفوضى والتضليل. غير أن التطبيق يكشف عن إشكالية أعمق، حيث تبدو الحدود بين التنظيم المشروع والتضييق غير المبرر شديدة الالتباس، خاصة مع تزايد قرارات الحجب والإغلاق.
قرار حجب موقع «إيجبتك»، المملوك للإعلامية قصواء الخلالي، والذي يتولى رئاسة تحريره الزميل أحمد رفعت، يعيد طرح هذه الإشكالية بقوة. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بمخالفة إدارية أو محتوى محل خلاف، بل بطبيعة الأدوات المستخدمة في التعامل مع الاختلاف، ومدى احترام حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.
الاختلاف مع ما ينشره الموقع أو مع بعض توجهاته أمر طبيعي ومشروع، بل هو من صميم العمل الصحفي الذي يقوم على التعدد والتباين. لكن هذا الاختلاف لا يمكن أن يكون مبررًا للإقصاء، ولا ذريعة لإغلاق منصة إعلامية دون شفافية كاملة في عرض المخالفات وإتاحة حق الرد والتصحيح.
التضامن مع موقع «إيجبتك» في هذه الحالة لا يعني تبنّي خطه التحريري، بل الدفاع عن مبدأ أوسع: رفض الإقصاء غير المفهوم، والملغز إلى حد كبير، الذي يفتح الباب لتأويلات تتجاوز حدود القانون إلى دوائر أكثر غموضًا، تمس طبيعة العلاقة بين الإعلام والسلطة.
الفارق بين تنظيم الإعلام وتحجيمه يكمن في المنهج لا في النصوص. التنظيم يقوم على قواعد واضحة، وإجراءات معلنة، وعقوبات متدرجة تتناسب مع المخالفات. أما التحجيم، فيعتمد على قرارات مفاجئة، وأسباب غير مفصلة، وإجراءات نهائية تقطع الطريق على أي مراجعة أو تصحيح.
المجتمعات لا تُحمى بحجب المعلومات، بل بإتاحتها، ولا تستقر الأسواق بإخفاء الأخبار، بل بالشفافية التي تعزز الثقة. وحين يُحرم المواطن من مصدر إضافي للمعلومة، فإن الخسارة لا تقع على الموقع وحده، بل تمتد إلى المجال العام كله.
الواقع الحالي يكشف عن حاجة ملحّة لإعادة التوازن بين حق الدولة في التنظيم، وحق المجتمع في المعرفة. فلا يمكن بناء إعلام مهني في بيئة يغيب عنها وضوح القواعد، ولا يمكن ترسيخ الثقة في ظل قرارات لا تُشرح، ولا تُناقش، ولا تُراجع.
القلق الأكبر لا يرتبط بحالة بعينها، بل بما تعكسه من اتجاه عام. فحين يمتد التضييق ليشمل منصات مختلفة التوجهات، فإن الرسالة تصبح واضحة: المجال يتقلص، والهامش يضيق، والمعادلة تميل لصالح السيطرة على حساب التنوع.
حماية الأمن القومي لا تتعارض مع حرية الإعلام، بل تحتاج إليها. إعلام متنوع ومسؤول هو الضامن الحقيقي لمواجهة الشائعات، وهو القادر على بناء وعي عام يستند إلى الحقائق لا إلى الفراغ.
إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والإعلام باتت ضرورة، لا رفاهية. علاقة تقوم على الشفافية بدل الغموض، وعلى الحوار بدل الإقصاء، وعلى الثقة بدل الشك. فالدولة التي تملك الثقة في نفسها لا تخشى تعدد الأصوات، بل ترى فيه مصدر قوة، لا تهديدًا.
احترام حق الناس في المعرفة، وصون حرية التعبير، ليسا مجرد شعارات، بل ركيزة لأي استقرار حقيقي. وما بين قصواء والإقصاء، يظل السؤال مفتوحًا: هل نُنظّم الإعلام… أم نُضيّق عليه حتى يختفي؟







