ملفات وتقارير

بكير أتاجان يكتب : كيف تعيد إسرائيل وتركيا رسم خرائط الصراع في الشرق الأوسط؟

في لحظة سياسية مشحونة تعكس تحولات عميقة في بنية النظام الإقليمي، أثارت تصريحات هاكان فيدان نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الإسرائيلية، بعدما أشار إلى احتمال توجه تل أبيب نحو إعادة صياغة قائمة خصومها، بوضع تركيا في موقع “العدو التالي” في مرحلة ما بعد إيران.

لم تُستقبل هذه التصريحات بوصفها موقفاً عابراً، بل كنافذة تكشف عن تحولات أعمق في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. فالنقاشات التي أعقبتها داخل الفضاء الرقمي والسياسي في إسرائيل عكست حالة من الترقب، بل وربما القلق، إزاء ما يمكن أن تحمله المرحلة المقبلة من إعادة تموضع في تعريف التهديدات.

اللافت أن قراءة فيدان جاءت بعيدة عن التعميم، إذ قدم مقاربة تفكيكية للمشهد السياسي في إسرائيل، مميزاً بين قيادة بنيامين نتنياهو وتحالفها اليميني من جهة، وبين التيارات السياسية الأخرى، لا سيما الليبرالية منها، من جهة ثانية. هذا الطرح لم يمر مرور الكرام، إذ رأى فيه بعض المعلقين الإسرائيليين فهماً دقيقاً لتعقيدات الداخل الإسرائيلي، بل وربما محاولة تركية واعية لاستثمار الانقسامات البنيوية داخل النظام السياسي.

في عمق هذا النقاش، يبرز مفهوم “إعادة إنتاج التهديد” كأحد المفاتيح التفسيرية الأساسية. فالتاريخ السياسي يظهر أن الأنظمة التي تواجه أزمات داخلية غالباً ما تلجأ إلى إعادة تعريف الأخطار الخارجية، ليس فقط لأغراض أمنية، بل أيضاً كوسيلة لإعادة بناء التماسك الداخلي وترتيب الأولويات الوطنية. وفي هذا السياق، يطرح اسم تركيا كمرشح محتمل لملء الفراغ الذي قد ينشأ عن تراجع مركزية التهديد الإيراني في بعض المسارات.

غير أن هذا التحول لا يمكن فصله عن سياق إقليمي ودولي أوسع. فتركيا، بقيادة رجب طيب أردوغان، تمضي منذ سنوات في مسار إعادة تموضع استراتيجي، يعكس طموحها للعب دور قوة إقليمية مستقلة. ويتجلى ذلك في حضورها العسكري في بعض الساحات، ونشاطها الجيوسياسي في شرق المتوسط، إضافة إلى انخراطها المتزايد في أدوار الوساطة الدبلوماسية.

هذا الصعود التركي يضعها بالضرورة في مسار تقاطع مع الرؤية الإسرائيلية، التي تسعى إلى الحفاظ على تفوقها الاستراتيجي وتوازناتها التقليدية. وهنا، يتجاوز التنافس حدود الجغرافيا والسياسة المباشرة، ليطال أيضاً مسألة “المكانة” داخل النظام الإقليمي، بل وحتى داخل الحسابات الكبرى للولايات المتحدة.

فإسرائيل تدرك أن قيمتها الاستراتيجية لدى الولايات المتحدة الأمريكية ترتبط، إلى حد بعيد، بطبيعة التهديدات التي تواجهها. وبالتالي، فإن أي تحولات كبرى—مثل التوصل إلى تهدئة مستدامة مع إيران—قد تعيد صياغة هذا الدور. من هذا المنطلق، تفسر أنقرة بعض السلوكيات الإسرائيلية باعتبارها محاولة للحفاظ على موقعها داخل معادلة النفوذ الدولي، حتى لو تطلب ذلك عرقلة مسارات التهدئة.

في المقابل، تبدو تركيا واعية لهذه المعادلة، وتسعى إلى استباقها عبر تقديم نفسها كفاعل إقليمي لا غنى عنه، قادر على إدارة التوازنات والمساهمة في صياغة حلول للأزمات. ويظهر ذلك بوضوح في سعيها إلى خوض ما يمكن وصفه بـ“معركة السردية”، عبر تفكيك الخطاب الإسرائيلي وتقديم رواية مضادة تستهدف التأثير في الرأي العام والنخب السياسية على حد سواء.

ولا يمكن تجاهل البعد الشخصي في هذه المعادلة. فالعلاقة المتوترة بين رجب طيب أردوغان وبنيامين نتنياهو تحولت مع مرور الوقت إلى عنصر مؤثر في تشكيل الخطاب السياسي، حيث يتداخل الشخصي مع الاستراتيجي، ويُستخدم التصعيد اللفظي كأداة تعبئة داخلية ورسالة ردع خارجية في آن واحد.

في المحصلة، تعكس هذه التطورات لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، حيث لم يعد الصراع يقتصر على إدارة التهديدات التقليدية، بل بات يدور حول إعادة تعريفها. وبينما تعمل إسرائيل على إعادة رسم خريطة خصومها بما يتلاءم مع التحولات الدولية، تسعى تركيا إلى تثبيت موقعها كقوة صاعدة لا يمكن تجاوزها، في مشهد إقليمي مفتوح على احتمالات متعددة، تتراوح بين إعادة التوازن… أو إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى