
في السادس عشر من أبريل عام ١٩٨٩، شهدت مصر حدثًا تاريخيًا بارزًا تمثل في إقالة المشير محمد عبدالحليم أبوغزالة من منصبه كوزير للدفاع. في ذلك الصباح، غادر أبوغزالة منزله متجهاً إلى وزارة الدفاع، حيث تلقى مكالمة غير متوقعة من اللواء جمال عبدالعزيز، سكرتير الرئيس مبارك، الذي طلب منه الحضور إلى القصر الجمهوري بملابس مدنية. وعندما استفسر أبوغزالة عن سبب ذلك، أجابه عبدالعزيز بأن “الأوامر كده”.
بعد تغيير ملابسه، توجه أبوغزالة إلى القصر، حيث تم إدخاله إلى غرفة مغلقة. بعد حوالي عشر دقائق، ظهر الرئيس مبارك، الذي بدا مفاجئًا لوجوده، وطلب منه أداء اليمين لتعيينه كمساعد له. وبعد أن حلف أبوغزالة اليمين، أعطاه مبارك مظروفًا مغلقًا موجهًا إلى الرئيس العراقي صدام حسين. تم تعيين اللواء يوسف صبري أبوطالب وزيرًا للدفاع خلفًا لأبوغزالة.
تجدر الإشارة إلى أن المشير أبوغزالة كان واحدًا من أبرز الشخصيات العسكرية في تاريخ مصر الحديث. وُلد في عام ١٩٣٠، وتخرج من الكلية الحربية حيث كان أحد أساتذة مبارك. لعب دورًا محوريًا في إخماد أحداث الأمن المركزي في عام ١٩٨٦، عندما اندلعت احتجاجات عنيفة في معسكرات الأمن المركزي، مما عكس قدرته على التعامل مع الأزمات الأمنية بشكل حاسم.
كما أن المشير أبوغزالة كان يُنظر إليه كمرشح محتمل لرئاسة مصر، نظرًا لشعبيته الكبيرة وعلاقاته القوية مع القادة العرب والدوليين. وكان معروفًا بطموحه في تسليح الجيش المصري وتحديثه.
وفقًا للكاتب محمد حسنين هيكل، الذي يُعد واحدًا من أبرز الكُتّاب الصحفيين في العالم العربي، شهد الثالث من أبريل عام ١٩٨٩ اجتماعًا بين الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب ومبارك، حيث تم مناقشة دخول مصر مجال صناعة الصواريخ بالتعاون مع العراق والأرجنتين. كان أبوغزالة يقود هذا التوجه، وقد تم تخصيص ٥٠٠ مليون دولار للأعمال التحضيرية.
على الرغم من نجاح المشروع، إلا أن الاستخبارات الإسرائيلية بدأت حملة ضد العلماء والشركات المشاركة في تطوير الصواريخ، مما أدى إلى تراجع التعاون. وقد أثرت هذه الحملة بشكل كبير على مشروع صناعة الصواريخ المصري، تمامًا كما أجهضت هيئة التصنيع العربي التي كانت أحد طموحات الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وكان يديرها أشرف مروان، صهر عبد الناصر، الذي تم اغتياله في لندن بعد حديثه عن نشر مذكراته. هذا الاغتيال يعكس التوترات الشديدة والضغوط التي تعرض لها القادة العرب الذين حاولوا تعزيز القدرات العسكرية لبلدانهم.
تم القبض على العالم المصري عبدالقادر حلمي، الذي كان يعمل على المشروع في الولايات المتحدة، وتمت محاكمته بسبب محاولته الحصول على مواد سرية. توقف المشروع وترتبت على ذلك تداعيات سياسية، إذ ارتبطت إقالة أبوغزالة بتخوفات الإدارة الأمريكية من تأثير المشروع على الأمن الإقليمي. لم تكن إقالته مجرد حادثة إدارية، بل كانت تعبيرًا عن صراعات سياسية عميقة وتوجهات استراتيجية في المنطقة. المعلومات المتعلقة بأحداث تلك الفترة تم توثيقها في كتاب هيكل “حرب الخليج: أوهام القوة والنصر”، والذي نشره مركز الأهرام للترجمة والنشر.







