حدث في مثل هذا اليومذاكرة التاريخ

زي النهاردة رحيل فيلسوف الجغرافيا جمال حمدان ناسك الفكر وعبقري المكان

غيب الموت في مثل هذا اليوم من عام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين ميلادية العلامة الدكتور جمال حمدان الذي رحل وحيداً في محراب علمه تاركاً خلفه إرثاً فكرياً خالداً يعيد صياغة مفهوم الهوية الوطنية ، ويمثل جمال حمدان حالة فريدة في تاريخ الثقافة المعاصرة حيث وهب حياته بالكامل للبحث العلمي الجاد بعيداً عن أضواء المناصب وزيف الشهرة التي تهافت عليها الكثيرون ، وولد هذا المفكر الاستثنائي في الرابع من شهر فبراير لعام ألف وتسعمائة وثمانية وعشرين بقرية ناي التابعة لمركز قليوب بمحافظة القليوبية حيث تفتحت موهبته مبكراً في دراسة الجغرافيا السياسية وتطور المجتمعات ، واستطاع جمال حمدان أن يسطر بمداد من نور رؤيته الفلسفية التي تربط بين عبقرية المكان وحركة التاريخ وصناعة القرار السياسي في المنطقة العربية بأسرها ، وتعتبر مسيرته العلمية درساً بليغاً في عزة النفس والكبرياء الثقافي حيث آثر العزلة الاختيارية في شقته المتواضعة بحي الدقي عقب تعرضه لظلم إداري في مساره الأكاديمي بجامعة القاهرة.

عبقرية المكان وتجربة العزلة في محراب جمال حمدان

تحولت شقة جمال حمدان الصغيرة إلى صومعة للفكر والبحث أنتجت للعالم العربي أعظم المؤلفات التي تنطلق من إيمان راسخ بعروبة التراب الوطني ودوره القيادي في المنطقة ، وعاش جمال حمدان في عزلة صارمة رتب فيها تفاصيل حياته لخدمة العلم وحده فكان لا يخرج إلا نادراً لقضاء حوائجه أو لزيارة دور النشر والمكتبات الكبرى ، وأثمرت هذه السنوات الطويلة من الاعتكاف عن موسوعة “شخصية مصر” التي استغرق تأليفها عشر سنوات كاملة وخرجت في أربعة أجزاء تضم آلاف الصفحات لتصبح أيقونة الفكر الجغرافي والسياسي العالمي ، ويؤكد المقربون منه أن هذه العزلة لم تكن انطواءً بل كانت وقفة تأمل عميقة لتحليل جذور المشكلات التي واجهت البلاد خاصة عقب نكسة يونيو ألف وتسعمائة وسبعة وستين ، واستطاع من خلال رؤيته الثاقبة أن يشخص الأخطار المحيطة بالأمة واصفاً الوجود الصهيوني بالجسم السرطاني الذي يهدد سلامة المنطقة واستقرارها التاريخي.

اللقاءات الفكرية والغموض المحيط برحيل العلامة جمال حمدان

كشف الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل عن جوانب خفية في شخصية جمال حمدان عقب لقائهما الشهير الذي حاول فيه هيكل إخراج المفكر الراحل من قيد عزلته إلى رحاب الحياة العامة ، وتناقش القطبان الكبيران في عبقرية المكان وتدهور الموقف السياسي وتأثير الاتفاقيات الدولية على السيادة الوطنية حيث وصف حمدان التراجع السياسي بكلمات حادة تعبر عن عمق حزنه على تبدل الأحوال ، وانتهت حياة هذا العالم الجليل في ظروف تكتنفها الألغاز عقب اندلاع حريق في شقته في السابع عشر من شهر أبريل حيث تضاربت الروايات بين الحادث العرضي وبين فرضيات الاغتيال التي تبناها شقيقه اللواء عبد العظيم حمدان وعدد من كبار الكتاب ، ويظل جمال حمدان حياً في وجدان الأجيال بفضل بصيرته النافذة التي شبهها البعض بدور رفاعة الطهطاوي في عصر التنوير الأول ، لتبقى كلماته ومؤلفاته مراجع أساسية لكل باحث عن فهم حقيقة الذات الوطنية وتحديات المستقبل في قلب العالم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى