مقالات وآراء

أشرف راضي يكتب: الشرق الأوسط.. مفارقة التأسيس وتحرر الشعوب

الحروب الأهلية والدولية المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط ومحيطها، منذ مطلع الألفية، تمهد لتحولات كبرى قد تشهدها دول المنطقة ومجتمعاتها، بعد مرور مائة عام أو يزيد على تشكل دوله في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتحديداً في الفترة ما بين عامي 1914 و1922، نتيجة للتصادم بين تصورات ومشاريع الدول الأوروبية الكبرى، التي انتصرت في الحرب العالمية الأولى من ناحية، وبين القوى الاجتماعية الطامحة للاستقلال عن الدولة العثمانية من ناحية أخرى. وخلافاً لما يعتقده كثير من الكتاب الذي يتصورون أن هذه الدول تشكلت نتيجة لما يعرف باتفاقيات سايكس بيكو، والتي فضحها البلاشفة الذين حكموا روسيا بعد ثورة 1917، فإن الدول التي تشكلت في المنطقة لم تكن ثمرة لتفاهمات فيما بين تلك الدول الأوروبية لتقاسم تركة الدولة العثمانية فقط، وإنما تشكلت أيضاً نتيجة لصراع مرير لا يزال ممتداً، ونتيجة عوامل اجتماعية محلية ساهمت في تشكيل هذه الدول، وهو الأمر الذي يفسر وجود قوى اجتماعية وسياسية تشكلت في سياق هذه الدول ومستعدة للدفاع عن مصالحها بشراسة. غير أن نظام الدول الشرق أوسطي تأسس على مفارقة تاريخية حان الوقت لإعادة التفكير فيها وحلها.

حضرت قبل يومين مناقشة لكتاب “الجبل الكردي”، وهو دراسة معمقة لتاريخ الأكراد على مدى فترة تمتد أربعة قرون (1514- 1914)، اختارها الدكتور محمد رفعت الإمام أن تكون تمهيداً لدراسة بدأها لما يعرف بالمسألة الكردية، وهي واحدة من كبريات المشكلات التي برزت مع تشكل دول الشرق الأوسط المعاصرة، والتي ارتبطت منذ تلك الفترة البعيدة بالصراع على النفوذ في المنطقة، وتعود جذورها إلى فترة تشكل الدولة العثمانية في القرن السادس عشر. ومنذ بداية الندوة ألحت على فكرة المفارقة التاريخية التي تأسست عليها دول المنطقة، والتي بسببها أصبحت تلك المنطقة موطناً لصراعات مزمنة وممتدة، دينية ومذهبية وطائفية وعرقية وقومية، وكانت هذه الصراعات سبباً رئيسياً لتجدد الحروب الأهلية والدولية، وذريعة لتدخل القوى الخارجية، مما أضفى عليها بعداً دولياً، خصوصا أنها تدور على أراضي منطقة تربط بين قارات العالم القديم، الأمر الذي جعل أصحاب المشاريع الإمبراطورية في العالم الجديد يتكالبون عليها.

تتمثل هذه المفارقة التاريخية في إنشاء إسرائيل لتكون وطناً لليهود المهاجرين من روسيا وأوروبا على أرض شعب آخر، من ناحية، وحرمان الأكراد، بوصفهم قومية تشكلت على مدى قرون من أن يكون لهم دولة، من ناحية أخرى. وشعوب المنطقة هي الضحية في الحالتين، وهم أيضا الضحية في كل الحروب التي اندلعت في المنطقة طوال القرن العشرين، وضحية للصراعات فيما بين القوى الخارجية التي تقاتل بشراسة من أجل إبقاء هذه المنطقة وثرواتها تحت سيطرتهم، من خلال الاحتلال المباشر لبلدانها، أو حتى عبر وكلاء قد تدفعهم حدة التناقضات مع شعوبهم، والتي تجسدها طبيعة الحكم الاستبدادي، إلى أن يدركون أن استمرارهم في السلطة مرهون بدعم القوى الخارجية. ولذلك فهم مستعدون دائمًا، بما في ذلك من يدافعون عن استقلال دولهم، لقبول تسويات مع هذه مع القوى الكبرى وتحقيق مصالحها بالوكالة، وهو أمر لا يمكن فهمه دون فهم طبيعة الصراع الاقتصادي الاجتماعي في تلك المجتمعات وتجلياتها السياسية، سواء على مستوى السياسات الوطنية أو من خلال التحالفات الإقليمية والدولية.

الخصوصية الثقافية والاستثناء التاريخي

هذه العوامل مجتمعة، جعلت بلدان المنطقة محصنة في مواجهة رياح التغيير التي اجتاحت الكثير من مناطق العالم، وجعلتها خارج سياق التاريخ وحركته، كما تجلى في عدم وصول الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي إلى بلدان تلك المنطقة وانكسارها عند شواطئها أو بتحريك موجات الفوضى والثورة المضادة، الأمر الذي يزيد أوضاع المنطقة ومشكلاتها تعقيدًا. وتتفق إرادة القوى الخارجية مع إرادة القوى الاجتماعية المسيطرة على السلطة والموارد في دول المنطقة، على تعطيل عمليات الانتقال إلى الديمقراطية، باعتبارها الآلية الأساسية لممارسة السيادة الشعبية، وضمان تمثيل مصالح المواطنين، وإفراز حكومات تتبع أساليب رشيدة وسليمة وشفافة في الحكم، وتخضع قراراتها للرقابة الشعبية وقواعد المساءلة والمحاسبة. ويرتبط بالإبقاء على نظم الحكم الاستبدادي، بأشكاله المختلفة، طالما توافقت هذه الحكومات المستبدة مع مصالح القوى الكبرى، ما يبدو أنه حرص على استمرار الصراعات الممتدة، منذ عقود، في المنطقة، والسعي للاستفادة منها، عبر إدارتها بدلاً من تسويتها. وهكذا، فإننا في الوقت الذي شهدنا فيه تسويات لصراعات أخرى في العالم، أكثر تعقيداً ومرارة، فإن الصراعات في المنطقة تستمر وتزداد تعقيدا. وتروج القوى الخارجية المستفيدة من هذا الوضع، وكذلك النخب الحاكمة والمسيطرة، لأفكار مثل “الخصوصية الثقافية” لتبرير استمرار قمع الشعوب من أجل تمرير تسويات سياسية مع القوى العالمية على حساب الشعوب وتهميش مصالحها المباشرة، أو لفكرة “الصراع الحضاري”، التي تضع صراعات المنطقة في سياق أوسع وتربطها بصراعات عالمية كبرى، الأمر الذي يجعل تسوية الصراعات الممتدة التي تعاني منها دول المنطقة أمراً مستعصياً وبعيد المنال.

توصف منطقة الشرق الأوسط، منذ بدأ استخدام هذا المصطلح في منتصف القرن التاسع عشر مع السياسات الأوروبية والروسية للتعامل مع ما يعرف بالمسألة الشرقية، أو اللعبة الدولية الكبرى، في أدبيات العلاقات الدولية، بأنها أكثر مناطق العالم اختراقًا الأمر الذي أضفى على العلاقات الدولية لدول المنطقة سمات خاصة يندر أن نجد لها مثيلا في مناطق أخرى في العالم، ولعل السمة الأبرز هي أن القرارات الاستراتيجية الكبرى الخاصة بدول المنطقة، لا تتخذ في عواصم تلك الدول أو من قبل حكوماتها الوطنية، وإنما تتخذ في عواصم القوى العالمية الكبرى، وتترك للحكومات الوطنية هوامش محدودة للحركة والمناورة بما يضمن لها الحد الأدنى الضروري للحفاظ على شرعيتها، مع الاستعداد الدائم لمعاقبة الأنظمة الحاكمة التي تسعي إلى توسيع هامش استقلالها بما يتجاوز الهامش الأدنى المسموح به للضرورة، على النحو الذي رأيناه في التعامل مع بعض تجارب التنمية المستقلة في المنطقة، وتوظيف الصراعات الإقليمية والداخلية لمحاربة هذه التجارب وتدميرها وتصفيتها، والأمثلة على ذلك عديدة.

غير أن التحولات التي شهدها العالم منذ منتصف السبعينات، بسبب تعمق الأزمة نتيجة لتزايد المطالب الشعبية التي فرضت تحديات متصاعدة على نموذج دولة الرفاهة، قوضت الأسس التي قامت عليها صيغ العقد الاجتماعي الذي كان ركيزة للاستقرار السياسي والاجتماعي في كثير من بلدان العالم، في الشمال وفي الجنوب على السواء. قام هذا العقد الاجتماعي في بلدان الشرق الأوسط على صيغة “المستبد العادل”، التي تمثلت في تحمل الحكومة والدولة أعباء مالية واقتصادية لتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين في التعليم والصحة وتوفير فرص للكسب من خلال العمل، مقابل تنازل المواطنين عن بعض حقوقهم السياسية وحرياتهم الأساسية. وهي صيغة كانت لها نتائج كارثية على كل من الدولة والمجتمع. فتقييد الحريات وفرض قيود صارمة على حرية تنظيم المجتمع عطل قدراته على التطور الذاتي وأضعفه في مواجهة الدولة، بينما أصبحت الحكومة مكبلة بأعباء تفوق قدراتها. هذا الوضع كان مسؤولاً عن فخ الديون الذي وقع فيه كثير من بلدان العالم الثالث في السبعينات والثمانينات. كانت ملامح أزمة دولة الرفاهة التي توسعت في أعقاب الحرب العالمية الثانية قد بدأت في الظهور في النصف الثاني من الستينات، وكانت ثورة الشباب التي اجتاحت العالم في عام 1968 أحد تجلياتها، ومؤشراً على وصول هذا النموذج إلى نهايته الحتمية، وظهرت العديد من الاستجابات للتعامل مع أزمة النمو في العالم.

أحد أبرز هذه الاستجابات كان “سيناريو الكارثة” التي بشر به تقرير “حدود النمو” الذي صدر عن مجموعة تعرف باسم نادي روما في عام 1972، والذي كان ثمرة اجتماع ثلاثين شخصًا من العلماء والاقتصاديين ورجال الصناعة ومسؤولين حكوميين ودوليين، تمت دعوتهم من عشر دول، في أكاديمية لينسي في روما، في أبريل عام 1968، لمناقشة المأزق الحالي والمستقبلي للجنس البشري. هذا التقرير الذي كان صياغة عصرية لنظرية مالتوس، عن عدم الاتساق بين النمو السكاني، الذي يحدث بمتوالية هندسية متسارعة، وبين نمو الموارد الذي يتم بمتوالية حسابية بطيئة. ووصف بعض منتقدي التقرير هذه النظرية بخرافة “المالتوسية الجديدة”. لكن هذا التقرير كان موجها لكثير من سياسات التكيف الهيكلي التي أوصى بها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لمعالجة الاختلالات الاقتصادية في كثير من بلدان العالم الثالث التي تعاني من أزمة مديونية كبيرة، وكذلك حكومات من الدول الأوروبية التي انتهجت سياسات دولة الرفاهة. ولم تكن بلدان الشرق الأوسط بمنأى عن هذه التحولات وما أحدثته من تداعيات في العقود التالية، إذ كثير منها انتفاضات شعبية من أجل الخبز في نهاية السبعينات والثمانينات، ثم من أجل الحرية والديمقراطية، مع انتفاضات الربيع العربي في مطلع العقد الثاني من الألفية الجديدة، وهي الانتفاضات التي مهدت للمرحلة الجديدة من المواجهة في منطقة الشرق الأوسط والتي أدت إلى إعادة صياغة للتحالفات الإقليمية والدولية في مواجهة التناقض الجديد الناشئ ويهدد الصيغة التي حكمت المنطقة لعقود.

من معاقبة الأنظمة إلى معاقبة الشعوب

الانتفاضات الشعبية التي اجتاحت كثيرا من بلدان الشرق الأوسط كانت تجسيدا للأزمة التي تعاني منها المجتمعات والحكومات في بلدان الشرق الأوسط، والتي تفاقمت نتيجة لسياسات الليبرالية الجديدة المطبقة في كثير من بلدان العالم، والتي عجزت عن حل التناقض الرئيسي الناجم عن تزايد المطالب الشعبية وآليات توزيع الثروة والدخل والتوظيف، والمرتبطة بميل النظام الرأسمالي لعدم التشغيل الكامل للاقتصاد. وأفرز هذا الوضع الذي تفاقم مع سياسات العولمة، نموذج “مجتمع الخطر العالمي”، الذي نبه إليه عالم الاجتماع الألماني أولريش بك في دراسته للتحولات في الاقتصاد السياسي في أوروبا ومناطق أخرى. وتظهر الأدبيات المختلفة التي تنتقد سياسات الليبرالية الجديدة كيف أصبحت الرأسمالية في صيغتها الجديدة أكثر توحشاً، وبرزت نظريات تتحدث صراحة عن الحل الأمثل، يتمثل في إجراءات أكثر جذرية لتقليل عدد سكان العالم، وبرزت أفكار مثل فكرة “المليار الذهبي”، والتخلص من الفقر بقتل الفقراء.

في ظل هذا الوضع، لم تعد الحكومات في العالم الثالث، بما في ذلك الحكومات في العالم العربي والشرق الأوسط، قادرة على التكيف مع الشروط الجديدة للقوى العالمية المهيمنة، وأصبح تجاوبها مع مطالب الحكومات في البلدان الرأسمالية وفي مقدمتها، وقف الهجرة من بلدان العالم الثالث مكلفاً وضاغطا على صيغة الحكم المعتمدة لديها منذ نهاية السبعينات، والتي قامت على أساس تراجع الدولة عن التزاماتها بموجب صيغة العقد الاجتماعي السابقة، ورفضها في الوقت نفسه تقديم تنازلات تمنح المجتمعات والأفراد مزيداً من الحريات لتنظيم أنفسهم وإدارة شؤونهم، وتحول “المستبد العادل”، إلى “مستبد ظالم”، على نحو أضر كثيرا بفكرة العدالة، كقيمة عليا، تعلو على قيمة الحرية بالنسبة لكثير من شعوب المنطقة، الأمر الذي أدى إلى تفاقم التناقضات والصراعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية واحتدامها، على نحو قوض الركيزة الثانية الأساسية لشرعية أي حكومة والتي تتمثل في قبول المواطنين ورضاهم.

نتيجة لذلك، تقلصت إلى حد كبير هوامش الاستقلال التي كانت متاحة والتي مكنت بعض الحكومات، قبل الانتفاضات الشعبية، من مقاومة ضغوط مؤسسات التمويل الدولية لفرض إصلاحات أكثر جذرية أدت بدورها إلى اختلالات اجتماعية واقتصادية تضر الاستقرار السياسي والاجتماعي، ولم يعد أمام الحكومات بديل غير الإذعان لما يملي عليها من شروط، واختارت معظم الحكومات تأجيل المواجهة، رغم ما تنطوي عليه سياساتها من تزايد احتمالات حدوث انفجارات اجتماعية في المستقبل، وعزفت عن اختيار البديل الثاني المتمثل في البدء في التخلي عن صيغة الاستبداد والقمع. وأظهرت الحرب الإيرانية مدى احتدام الأزمة التي تواجهها الحكومات فيما يخص شرعيتها، وقد يترتب على هذه الحرب وما أحدثته من أزمات اقتصادية امتدت إلى كثير من بلدان المنطقة والعالم، هزات عنيفة قد تعصف بالاستقرار في معظم دول المنطقة. وأبرزت هذه الحرب التحدي المزدوج الذي تواجهه الحكومة في المنطقة، إذ أصبحت تواجه شعوبا ساخطة ومتذمرة في الداخل، وضغوط القوى الخارجية، والتي تعلم جيدا أنها تكتب شهادة وفاتها إذا استجابت لها. ولعل المشهد الأبرز في الحروب التي تشهدها المنطقة منذ أكتوبر 2023، هو الثمن الفادح الذي يدفعه المدنيون، على النحو الذي رأيناه في الحروب في غزة وفي كل من لبنان واليمن وسوريا، ونراه الآن في إيران.

وخلافًا، للحروب السابقة، كشفت الحرب على إيران أن القضية لم تعد قضية تغيير النظام في هذه الدولة أو تلك، فالتناقض لم يعد مع نظم حكم تتحدى القوى العالمية المهيمنة بإصرارها على هامش أكبر للاستقلالية وحرية القرار في أي قضية من القضايا المطروحة، وإنما أصبح التناقض مع الشعوب نفسها ورفضها لأي صيغة للتسوية على حساب مصالحها الجوهرية، واستعدادها للدخول في صراع مفتوح، إذ لم يعد لديها ما تخسره سوى أغلال باتت أكثر استعدادا للتخلص منها أو الموت دون ذلك. بات واضحا لقطاعات واسعة من الشعوب، ليس في منطقة الشرق الأوسط فقط، وإنما في كثير من بلدان العالم أنها تخوض معركة من أجل الحرية، وأنها مستعدة للقتال حتى آخر نفس في سبيل تحررها وحريتها. كذلك، فإن الحروب المشتعلة الآن على أكثر من جبهة في المنطقة، تبرز إفلاس المفارقة التاريخية التي تأسس عليها نظام الدول الشرق أوسطية. وربما يجسد الموقف الإقليمي والدولي من تجربة الحكم الذاتي الكردية في شمال شرق سوريا، محاولة للإبقاء على هذه المعادلة في مواجهة النموذج البازغ الذي طبقه الأكراد في شمال شرق سوريا، والذي حقق قدرا من النجاح في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، وفي تقديم صيغة للإدارة والحكم، كان من شأن تعميمها في أعقاب الإطاحة بحكم بشار الأسد أن تؤسس لنموذج جديد للدولة السورية، يتعامل مع الواقع الذي فشل النموذج القديم، بصيغه المتعاقبة في التعامل معه، لكن الإصرار على إفشال هذا النموذج من قبل التحالف المساند للصيغة التي سادت لأكثر من قرن، يشير إلى احتدام المواجهة المتبلورة حول النموذج التناقض الرئيسي الراهن.

أمام شعوب المنطقة فرصة فريدة لأن تفرض صيغتها للإدارة والحكم، في منطقة يعاد تشكيلها بالحديد والنار، وهي فرصة يتيحها إفلاس القوى المسيطرة، وعجزها عن تطوير بدائل لنظام دول الشرق الأوسط الذي ألفته، والعاجزة أيضاً عن التفكير في بدائل لهذا النظام، لكن نجاح هذه الشعوب مرهون بامتلاكها الوعي والتحرر من التصورات التي حرصت القوى المسيطرة على فرضها على الشعوب بالقوة المسلحة، ومن بينها تجربة الدولة الإسلامية في العراق والشام، والتي فشل النظام السوري والعراقي والقوى الدولية في التصدي لها، فيما تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من هزيمتها، لا لشيء سوى أن لديها تصور بديل جرى تطويره على مدى عقود من نضال الشعب الكردي من أجل حقوقه الوطنية المشروعة في مواجهة حكومات وطنية وقوى دولية وإقليمية داعمة لهذه الحكومات، وهو نضال أكسب القيادة الكردية وعياً يدل على أنهم تعلموا الكثير من تجربتهم، واستطاعوا بسببه رفض ضغوط الولايات المتحدة وإسرائيل من أجل مشاركتهم في الحرب على إيران. إن الموقف الكردي بداية حل للمفارقة التأسيسية التي قام عليها نظام دول الشرق الأوسط، وقد يكون في ذلك بداية لصيغة جديدة تقود إلى تحرر الشعوب وبناء دول وطنية ديمقراطية ترسخ لتجارب ديمقراطية تحقق فكرة السيادة الشعبية.

إن تجربة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا وما قدمته من نموذج جديد لممارسة الحكم والتعامل مع التحديات والتهديدات التي واجهها الأكراد وغيرهم من جماعات في المنطقة هي إبداع شعبي يستحق منا الدراسة والتأمل ويضاف إلى رصيد إبداع الشعب المصري المتمثل في تجربة اللجان الشعبية في انتفاضة يناير 2011، والذي أفشل سيناريو الفوضى الذي كان يخطط له بعض أركان الحكم في عهد الرئيس المخلوع. إن بلدان المنطقة تشهد منذ انتفاضات 2011، صراعا مريرا بين النموذج القديم في الإدارة والحكم الذي أثبت فشله بامتياز، وبين أشكال جديدة بازغة في مواجهة التحالف الداعم للاستبداد. ومن شأن هذا الصراع أن يغير وجه الشرق الأوسط الذي عرفه العالم منذ عام 1922، وهو الشكل الذي قام على مفارقة تاريخية أنهت كل سلام وبسببها لم تعرف المنطقة ولم يعرف العالم معنى السلام.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى