
نشرت كتيبًا صغيرًا في مطلع التسعينيات بعنوان «الليبرالية هي الحل»، صدر عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بحزب الوفد، الذي تشرفت برئاسته لسنوات.
بدت التجربة آنذاك أقرب إلى مغامرة فكرية لشابٍ يسبق عمره بخطوة، وربما بحماسٍ زائد، أو بحلمٍ أكبر من الواقع. ظلّ ذلك الكتيب شاهدًا على مرحلة، بينما ظلّ في داخلي مشروعٌ لم يكتمل… مشروع إعادة كتابة الليبرالية بلغة مصر، لا بترجمة الغرب.
لم يكن ذلك الكتيب سوى بداية طريق، طريقٍ أدركت لاحقًا أنه أطول من أن يُختصر، وأعمق من أن يُنجز في لحظة. ظلّت الفكرة تكبر داخلي، بينما ظلّ النص مؤجلًا، وكأن الزمن نفسه يختبر صدقها. لم تتراجع القناعة، لكن الأولويات السياسية اليومية كانت دائمًا تُزاحم هذا الحلم المؤجل، وتؤجله دون أن تُلغيه.
راودتني الفكرة مرارًا أن أعيد صياغة ذلك العمل، أكثر اتساعًا وعمقًا، لكن زحام السياسة اليومية، وضرورات اللحظة، سرقتني دائمًا إلى معارك عاجلة، على حساب مشروعٍ مؤجل. قرأت خلال تلك السنوات عشرات الكتب الغربية عن الليبرالية، ووقفت طويلًا أمام جهدٍ عربيٍّ مهم للأستاذ محمد تملدو، الوزير المغربي الأسبق، وشريكنا في حلم اتحاد الليبراليين العرب. غير أن سؤالًا ظلّ معلقًا: أين الكتاب المصري الذي يكتب الليبرالية من داخل وجدانها المحلي؟
سؤال لم يكن فكريًا فقط، بل وجوديًا أيضًا… لأن غياب هذا الكتاب لم يكن غياب نص، بل غياب مرآة يرى فيها المجتمع نفسه. بدا وكأننا نقرأ الليبرالية دائمًا بعيون الآخرين، لا بعيوننا. نردد تعريفاتها، دون أن نختبرها في سياقنا، أو نعيد صياغتها بما يناسب تاريخنا وثقافتنا.
بحثت طويلًا عن نصٍّ ينتمي إلى هذه الأرض، يستلهم تاريخها، ويستعيد رموزها، ويُصالح بين الدين والحرية، بين الأخلاق والسياسة، بين السوق والعدالة. لم أجد ما يشبع هذا التطلع… حتى وقعتُ، بالأمس القريب، على مقال للدكتور حسام بدراوي، ثم على ما هو أوسع من مقال… مشروع كتابٍ يتشكل بهدوء، لكنه يضجّ بالمعنى.
لم يكن ما قرأته مجرد طرح فكري، بل كان أشبه بعودة الروح إلى فكرةٍ كادت تُختطف بين نسخٍ مغشوشة، وتفسيراتٍ مجتزأة. مشروع لا يرفع شعار الليبرالية بقدر ما يُعيد تعريفها، ويحررها من القيود التي وُضعت عليها، سواء من خصومها أو من بعض من ادّعوا تمثيلها.
قرأتُ ما كُتب، فقلت لنفسي: كعادته، يسبقنا حسام بدراوي بخطوة. ليست خطوة زمن، بل خطوة وعي. ليست سبقًا في النشر، بل سبقًا في الرؤية. يكتب كما لو كان يُنقّب في طبقات الوعي المصري، لا كما لو كان يستورد تعريفًا جاهزًا من كتب الفلسفة السياسية.
يكتب وكأن الليبرالية ليست فكرة تُستعار، بل ذاكرة تُستعاد… ذاكرة تعود إلى لحظات التأسيس الأولى، حين لم يكن هناك تعارض بين الإيمان والحرية، ولا بين الهوية والانفتاح.
استعاد النص في ذهني زمنًا آخر… زمن الأستاذ إحسان عبد القدوس، وهو يكتب حواراته الأسبوعية في الصفحة الأخيرة من «الوفد»، حيث كان الفكر يُقدَّم في صورة حوار حيّ، بين جيلٍ يسأل، وعقلٍ يجيب. كانت تلك المقالات مدرسةً كاملة، لا في الصحافة فقط، بل في التفكير أيضًا.
بدت طريقة بدراوي امتدادًا لذلك النمط، ولكن بروحٍ معاصرة، وأدواتٍ أكثر التصاقًا بأسئلة هذا الزمن. نفس الحوار، لكن بأسئلة جديدة. نفس القلق، لكن بوعيٍ مختلف. نفس البحث عن الحقيقة، لكن في زمنٍ أكثر تعقيدًا.
تساءلت: لماذا لا يُستكتب حسام بدراوي أسبوعيًا؟ لماذا لا تعود هذه المدرسة إلى الصحافة المصرية؟ لماذا لا تستعيد «الوفد» هذا التقليد الذي صنع وعي أجيال؟ ولماذا لا يفتح موقع «ليبرالي»—الذي أتابع ما تقدمه الزميلة سوزان حرفي عبره من حوارات ثرية—مساحة ممتدة لحوار دائم مع عقلٍ بحجم حسام بدراوي؟
لم يكن السؤال تنظيميًا بقدر ما كان وجوديًا: أين مساحات التفكير الحر؟ أين المنابر التي تسمح للفكرة أن تنمو، لا أن تُختزل؟ أين الحوار الذي لا يخاف من العمق؟
في متن ما قرأت، يعلن بدراوي بوضوح: «أنا ليبرالي… ووطني هو مصر». جملة تبدو بسيطة، لكنها تُسقط تراكمات من سوء الفهم. تعيد تعريف الليبرالية كهوية انتماء، لا كتهمة سياسية.
يعيد النص ترتيب العلاقة بين الدين والليبرالية، فيضعها في سياقها الطبيعي. لا تعارض، بل تكامل. لا صدام، بل تصالح. جوهر الدين—كما يطرحه—هو الأخلاق، وجوهر الليبرالية هو الحرية المسؤولة… وكلاهما يلتقيان في كرامة الإنسان.
يواجه بدراوي بوضوح ظاهرة «الليبرالية المغشوشة»… تلك التي تتبنى الاسم وتفرغه من مضمونه. ليبرالية تتحدث عن الحرية، لكنها تمارس الإقصاء. تدافع عن السوق، لكنها تبرر الاحتكار. ترفع شعار الفرد، لكنها تخدم السلطة.
هنا تصبح المعركة مزدوجة: استعادة الليبرالية من خصومها، ومن بعض أنصارها على السواء.
يشرح نشأة الفكرة من عصر التنوير، لكنه لا يكتفي بالتاريخ، بل يعيد صياغته بما يناسب السياق المصري، فيربط بين جذور الإصلاح الديني في القرن التاسع عشر، وبين بذور الليبرالية التي نبتت في تلك اللحظة الفارقة من تاريخنا.
يمر عبر محطات الفكر المصري، حيث لم يكن رواد الإصلاح يرون تناقضًا بين الدين والعقل، ولا بين التراث والتجديد. كانت الليبرالية آنذاك ممارسة، قبل أن تكون مصطلحًا.
يتوقف طويلًا أمام العلاقة بين الديمقراطية والليبرالية، فيميز بينهما بوضوح: الأولى آلية، والثانية منظومة قيم. تبدو هذه الفكرة كأنها مفتاح لفهم كثير من أزماتنا، حيث تختلط الوسائل بالغايات.
ينتقل إلى الاقتصاد، فيطرح رؤية متوازنة، لا تنحاز إلى السوق المنفلتة، ولا إلى الدولة المتغولة. حرية اقتصادية تُحاط بعدالة اجتماعية، تضمن الكرامة، ولا تقتل المبادرة.
يطرح سؤال الدولة، فيعيد تعريفها: خادمة للمواطن، لا وصية عليه. عبارة تختصر مسافة طويلة من الصراع بين السلطة والمجتمع.
يتعامل مع الدين بحساسية المفكر، لا بحدة السياسي. يرفض تسييسه، لكنه لا ينفي حضوره. يضعه في مكانه الطبيعي: مصدرًا للقيم، لا أداة للصراع.
يصل إلى السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا غابت الليبرالية؟ تأتي الإجابة بلا مواربة: التشويه، وغياب البيئة، وتشتت القوى.
يفتح، رغم ذلك، نافذة أمل: المجتمع المصري، في جوهره، أقرب إلى الليبرالية مما يُظن. المشكلة لم تكن يومًا في الناس، بل في الخطاب الذي قُدِّم لهم.
يدعو إلى استعادة الوعي، وإعادة بناء التعليم، وتحرير الإعلام، وبناء مؤسسات تحمي القانون. دعوة تبدو كخطة عمل، لا كحلم مؤجل.
أمام هذا النص، لا أجد نفسي ناقدًا، بل قارئًا ممتنًا. لا أبحث عن اختلاف، بل عن استكمال. مشروع «الليبرالية المصرية» الذي يخطّه حسام بدراوي ليس كتابًا فقط، بل محاولة لاستعادة معنى، طال غيابه.
معنى ظلّ معلقًا بين تاريخٍ بدأ ولم يكتمل، وواقعٍ ينتظر من يكتبه من جديد… وربما يكون هذا المشروع، إذا اكتمل، أحد أهم مفاتيح العودة إلى أنفسنا.





