السودانملفات وتقارير

تحديات صحية وإدارية تواجه العاصمة السودانية مع استمرار وتصاعد أزمة حرب السودان

تجاوزت حرب السودان عامها الثالث مخلفة وراءها حصيلة كارثية من الضحايا والمصابين سواء برصاص النزاع المسلح أو جراء الأمراض الفتاكة والجوع القاتل، وتشير البيانات الميدانية إلى نزوح الملايين داخل وخارج حدود جمهورية السودان في ظل حالة من الانقسام السياسي والميداني الحاد الذي فرضته خرائط السيطرة العسكرية، وتتصدر الأزمة الإنسانية المشهد العام مع تلاشي فرص الحل السياسي الفوري وتحول القتال إلى واقع يومي مرير ينهك البنية التحتية المتهالكة أساسا في كافة الولايات المتضررة،

تستقبل مدينة الخرطوم موجة جديدة من تفشي حمى الضنك التي تضرب أحياء العاصمة رغم إعلان القوات المسلحة استعادتها خلال العام الماضي كرمز لفرض السيطرة المركزية، وتظهر الحقائق الميدانية أن المدينة غير مهيأة تقنيا أو صحيا لمواجهة هذا التفشي الوبائي المتجدد الذي يهدد حياة الآلاف، ويأتي هذا التدهور في ظل غياب التخطيط الاستراتيجي لاحتواء الأزمات الصحية الطارئة مما يجعل العاصمة في مواجهة مباشرة مع خطر الوباء الذي يتمدد بسرعة فائقة وسط تراجع حاد في كفاءة المؤسسات العلاجية والخدمية بجمهورية السودان،

أزمة العودة الطوعية وغياب الخدمات الأساسية

أطلقت السلطات السودانية خلال العام المنصرم حملات مكثفة لحث السكان على العودة إلى منازلهم تحت مسمى العودة الطوعية مع تقديم وعود باستعادة الخدمات وتحقيق الاستقرار الأمني، وتسببت هذه السياسات المتعثرة في نتائج عكسية صادمة حيث ركزت الإجراءات على تسريع وتيرة عودة المواطنين دون توفير المنظومات الخدمية اللازمة لاستيعابهم، وتستقبل الخرطوم حاليا زيادة سكانية تقترب من مليون نسمة من العائدين الذين وجدوا أنفسهم في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الرعاية الصحية والوقائية الكفيلة بمنع انتشار العدوى والأمراض المدارية،

تعاني العاصمة من قصور حاد في عمليات جمع النفايات وإدارة شبكات المياه الصالحة للشرب مع تفاوت كبير في توفر الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية، وتتزايد المخاوف مع اقتراب موسم الأمطار الذي يوفر بيئة مثالية لتكاثر البعوض الناقل للأمراض مما ينذر بتفاقم أزمة حمى الضنك بشكل غير مسبوق، وتكشف التقارير الميدانية أن الوضع الراهن لا يختلف كثيرا عما كان عليه العام الماضي بل يزداد سوءا بسبب الضغط السكاني الهائل وتهالك شبكات الصرف الصحي التي لم تشهد أي عمليات ترميم حقيقية منذ بداية حرب السودان،

واقع البنية التحتية والانهيار الصحي المرتقب

تفتقد المؤسسات الصحية في جمهورية السودان إلى التجهيزات اللازمة لمواجهة الأوبئة المتعددة التي تزامنت مع العمليات العسكرية المستمرة في محاور القتال المختلفة، وتؤكد الأرقام الرسمية أن استعادة السيطرة الإدارية لم تتبعها خطوات ملموسة في إعادة تأهيل المستشفيات أو توفير الأمصال واللقاحات الكافية للمواطنين، ويواجه العائدون مخاطر حقيقية في ظل تراكم الأزمات المعيشية وغياب الرقابة البيئية الصارمة التي كانت تحول دون انتشار مثل هذه الأوبئة في الفترات السابقة مما يجعل التدخل الإغاثي الدولي مطلبا ملحا لإنقاذ الموقف المتأزم،

تستمر الضغوط الاقتصادية في تقويض قدرة الهيئات المحلية على مواجهة التحديات البيئية الناتجة عن ركود المياه وتكدس المخلفات في الشوارع الرئيسية والمناطق السكنية المكتظة، وتظل خريطة السيطرة العسكرية هي المتحكم الوحيد في مسارات وصول المساعدات الطبية والغذائية مما يعقد من مهمة الكوادر الصحية المتبقية داخل الخرطوم، ويفرض هذا الواقع المأساوي ضرورة إعادة النظر في أولويات الإدارة المحلية التي انشغلت بالجانب الأمني على حساب الملفات الخدمية والصحية التي تمس حياة الملايين من أبناء الشعب السوداني المنكوب بفعل حرب السودان،

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى