
لم يكن التاسع عشر من إبريل يومًا عاديًا في ذاكرة هذا الوطن، بل كان أقرب إلى لحظة ميلادٍ ثانية… يوم قرر المصريون أن يكتبوا أنفسهم بأيديهم، وأن يتحولوا من رعايا إلى مواطنين، ومن موضوعٍ للحكم إلى مصدرٍ للسلطة. هناك، في حضرة دستور 1923، لم تُكتب مواد القانون فقط، بل كُتبت ملامح الحلم.
خرج الدستور من رحم ثورة 1919 لا بوصفه وثيقة لاحقة، بل كامتدادٍ طبيعي لها… كأن الثورة حين صاحت “الاستقلال” كانت تعرف أن صداها الحقيقي لن يكتمل إلا بكلمة “الدستور”. لم تكن المزاوجة بينهما مصادفة، بل كانت عبقرية شعب أدرك أن الحرية بلا نظام فوضى، وأن النظام بلا حرية قيدٌ جديد.
لم يكن المصريون يومها يطالبون بنصٍ جميل، بل بإطارٍ يحميهم من نزوات السلطة، ويؤسس لعلاقة عادلة بين الحاكم والمحكوم. ولهذا بدا الدستور كأنه وعدٌ أخلاقي قبل أن يكون عقدًا قانونيًا… وعدٌ بأن الدولة لن تكون فوق المجتمع، بل منبثقة عنه.
في قلب هذه اللحظة وقف عبد العزيز فهمي، لا ككاتب مواد، بل كمهندس روح. درس دساتير أوروبا، لكنه لم يستنسخها، بل أعاد صياغتها بوعيٍ مصري خالص، فكان النص حديثًا في بنيته، عميقًا في دلالته، سابقًا لعصره في كثير من مضامينه.
كان الرجل أقرب إلى شاعرٍ يكتب بالقانون، وقاضٍ ينحاز للعدالة لا للنصوص الجامدة. لذلك لم يكن غريبًا أن يختلف مع سعد زغلول في بعض التفاصيل، فالكبار يختلفون ليكتمل المعنى، لا لينكسر المشروع.
لم يكن الدستور كاملًا، لكنه كان صادقًا… ولم يكن معصومًا، لكنه كان حيًّا. عاش في وجدان الأمة لأنه وُلد من إرادتها، وظل رغم التعطيل والتشويه شاهدًا على زمنٍ كانت فيه السياسة شرفًا، والقانون أملًا.
ارتبطت حياتي بهذا الهم الدستوري مبكرًا، قبل أن أعرف أنني سأحمله يومًا كقضية لا كمجرد تخصص. كان دستور 1923 ضيفًا دائمًا في بيتنا القديم، يتردد اسمه في جلسات لا تخلو من نقاش أو جدل. لم يكن نصًا بعيدًا في كتاب، بل كائنًا حيًا يسكن الحوار اليومي.
كان والدي، رحمه الله، أحد المقررين في دستور 1971، وكان البيت مدرسة مفتوحة، تُناقش فيها النصوص كما تُناقش الأحلام. هناك، بين اسمين يبدوان متشابهين ويختزلان مسارين مختلفين — عبد العزيز نور وعبد العزيز فهمي — بدأ قلبي يتعلق بعلم الدستور، قبل أن يختاره عقلي طريقًا.
لم يكن ذلك التعلق مجرد إعجابٍ معرفي، بل انحياز مبكر لفكرة العدالة، وإيمان بأن القانون يمكن أن يكون ملاذًا لا سوطًا.
شاء القدر، بعد عقود، أن أجد نفسي في قلب معركة دستورية أخرى… لا قارئًا ولا شاهدًا، بل فاعلًا. كنت وكيلًا للجمعية التأسيسية لـ دستور 2012، في لحظةٍ اختلط فيها الأمل بالقلق، والرغبة في البناء بخوف الهدم.
عاد دستور 23 إلى بيتي مرة أخرى، لا كذكرى، بل كمرآة… نقيس بها المسافة بين ما كان وما صار. صار جزءًا من يومي، من تفكيري، من قلقي، ومن أسئلتي التي لا تنتهي.
بدت المقارنة قاسية، لكنها ضرورية. هناك، في 1923، كان الدستور نتيجة صراعٍ وطني جامع، وهنا، في حاضرنا، يبدو وكأنه نتيجة توازنات سلطة أكثر منه تعبيرًا عن إرادة مجتمع.
لم تكن أزمة اليوم في غياب النصوص، بل في غياب الفلسفة التي تحكمها. نصوص كثيرة تتحدث عن الحقوق، لكن الواقع يضيق بها… مواد تُعلن الفصل بين السلطات، لكن الممارسة تذيب الحدود بينها.
كان البرلمان في ظل دستور 1923 ساحة صخبٍ مشروع، تتصارع فيها الأفكار بلا خوف… أما اليوم، فالصوت الواحد يكاد يطغى، والاختلاف يُنظر إليه كخطر لا كضرورة.
لم يعد الدستور مرآة المجتمع، بل أصبح في كثير من الأحيان غطاءً للسلطة. وهذه أخطر لحظة يمكن أن تمر بها أي تجربة دستورية، حين يتحول النص من قيدٍ على الحاكم إلى أداةٍ في يده.
تكشف هذه الرحلة أن الدستور ليس مجرد وثيقة، بل حالة… حالة وعي، حالة توازن، حالة شجاعة. فإذا غابت هذه الحالات، بقي النص جسدًا بلا روح.
يظل درس 1923 حاضرًا، لا في نصوصه فقط، بل في روحه… في تلك اللحظة التي قرر فيها شعب أن يربط مصيره بين كلمتين: الاستقلال والدستور.
ما أحوجنا اليوم إلى استعادة تلك اللحظة، لا لنكررها، بل لنفهمها… لا لنبكي عليها، بل لنبني عليها. فالأمم لا تتقدم بالحنين، بل بالقدرة على تحويل الذاكرة إلى مشروع، والتاريخ إلى مستقبل.











