مقالات وآراء

د. سمير الوسيمي يكتب: عصر السكك الحديدية

ليس من المبالغة أن نقول إن العالم، بعد طول افتتان بالطرق السريعة والممرات البحرية والطيران، يعود اليوم ليكتشف بهدوء ووعي أنه يدخل من جديد عصر السكك الحديدية. وليس المقصود هنا مجرد القطار بوصفه وسيلة نقل، بل بوصفه فكرة حضارية: فكرة الربط، وخفض الكلفة، ورفع الاعتمادية، وتعزيز الأمن اللوجستي، وإعادة ترتيب الجغرافيا الاقتصادية للدول والأقاليم. فالسكك الحديدية ليست خطوطاً من حديد فوق الأرض، بل خطوطاً من المصالح والثقة والتكامل بين الموانئ والمدن والمناطق الصناعية والحدود والأسواق. وتتعامل المؤسسات الدولية مع السكك على هذا الأساس؛ فالبنك الدولي يصفها بأنها وسيلة كفؤة وذكية مناخياً لنقل الأشخاص والبضائع، ويؤكد أن نجاحها يرتبط بحسن الحوكمة، والتكامل مع بقية أنماط النقل، وتحسين الخدمة والموثوقية والسعر.

في الدولة الواحدة، لا تبدأ قيمة السكك الحديدية من سرعة القطار، بل من إعادة توزيع الفرص. حين ترتبط العاصمة بالميناء، والمنطقة الصناعية بمنطقة التعدين، والمدن الداخلية بشبكات التوريد والتصدير، فإن الاقتصاد الوطني يتنفس بطريقة مختلفة. ولهذا تبدو التجربة الأردنية -على سبيل المثال- لافتة في دلالتها؛ فوزارة النقل الأردنية تطرح مشروع السكك الوطنية بوصفه شبكة شحن حديثة وموثوقة تربط عمّان والمدن الصناعية مثل الزرقاء والمفرق بميناء العقبة ومنجم الشيدية، مع قابلية الربط أيضاً بالسعودية وسوريا، ومنها مستقبلاً إلى تركيا وأوروبا، فضلاً عن الأسواق العراقية. هذا ليس تفصيلاً فنياً، بل تصور اقتصادي-سيادي يعيد تعريف موقع الأردن داخل سلاسل القيمة الإقليمية. كما أن إدراج الرؤية الاقتصادية التحديثية الأردنية لمئات المبادرات القطاعية يوضح أن النقل لم يعد ملفاً خدمياً هامشياً، بل جزءاً من هندسة النمو الوطني نفسه.

ومن هنا يصبح الحديث عن السكك الحديدية حديثاً عن الوقت والمال والأمن في آن واحد. فالاعتماد المفرط على الشاحنات وحدها يرفع كلفة التشغيل، ويزيد ضغط الطرق، ويضاعف استهلاك الوقود، ويترك سلاسل الإمداد أكثر عرضة للاختناقات. أما القطار، حين يُصمَّم ضمن منظومة متكاملة مع الموانئ والطرق والمناطق اللوجستية، فإنه لا ينقل البضائع فقط، بل ينقل الاقتصاد من منطق التبعثر إلى منطق النظام. وهذه هي النقطة الفارقة: السكك الحديدية الناجحة ليست مشروع إنشاءات، بل مشروع تشغيل وحوكمة وتكامل مؤسسي. البنك الدولي يشدد صراحة على أن كفاءة السكك ترتبط بإصلاحات التنظيم والتمويل، وبتكاملها مع الطرق والموانئ والأعمال، لا بمجرد مدّ القضبان.

وإذا كان للأردن اليوم حاجته الواقعية إلى الربط الداخلي الحديث، فإن خط سكة حديد الحجاز يظل المثال الأكثر بلاغة على أن السكك ليست مجرد بنية تحتية، بل ذاكرة استراتيجية قابلة للاستعادة بصيغة جديدة. تاريخياً، شُيّد الخط العثماني بين عامي 1900 و1908 لربط دمشق بالمدينة المنورة، وكان هدفه تسهيل الحج وتعزيز الترابط بين الأقاليم وخدمة النقل والإمداد. وتشير المصادر الرسمية إلى أن مساره الرئيس بلغ نحو 1,320 كيلومتراً، مارّاً عبر أراضي الأردن الحالية، وأنه اختصر زمناً طويلاً كانت تستهلكه القوافل التقليدية، كما أصبح ممراً للحجاج والبضائع والقوات والإمدادات. وهذا يعني أن خط الحجاز لم يكن في جوهره مشروعاً تاريخياً منقطع الصلة بالحاضر، بل كان فكرة مبكرة لممر إقليمي متعدد الوظائف: ديني، تجاري، أمني، وسياسي.

ولذلك فإن إحياء خط الحجاز اليوم لا ينبغي أن يُفهم باعتباره حنيناً إلى الماضي، بل باعتباره تحديثاً لفكرة صحيحة سبقها زمانها. فالمنطقة بحاجة إلى ممرات برية أكثر أمناً ومرونة، خاصة في أوقات اضطراب الملاحة أو ارتفاع تكاليف الشحن أو تعطل بعض الممرات البحرية. الجديد هنا أن الحديث عن الربط السككي لم يعد نظرياً بالكامل؛ فخلال أبريل/نيسان 2026 نُقلت تصريحات عن اتفاق بين تركيا وسوريا والأردن لتحديث شبكاتها الحديدية بهدف إنشاء ممر يصل جنوب أوروبا بالخليج، مع بقاء تفاصيل التمويل والتنفيذ رهن التطوير. أهمية هذه الخطوة ليست فقط في ما قد تنجزه عملياً، بل في ما تكشفه سياسياً: أن السكك عادت إلى صلب التفكير الاستراتيجي للدول بوصفها أداة للتجارة وإعادة الإعمار وإعادة التموضع الجيو-اقتصادي.

وعلى مستوى الخليج، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من حيث المنطق المؤسسي. فمشروع سكة حديد الخليج ليس مجرد أمنية تكاملية؛ إذ قرر المجلس الأعلى لمجلس التعاون في 14 ديسمبر/كانون الأول 2021 إنشاء هيئة السكك الحديدية الخليجية لتنسيق تنفيذ وتشغيل المشروع كخط إقليمي موحّد وقابل للتشغيل البيني بين دول المجلس، وأكدت الأمانة العامة في يوليو/تموز 2025 استمرار العمل والتنسيق لاستكمال المشروع وفق مراحله المخططة. هذه النقطة مهمة جداً: فكلما انتقل مشروع السكك من مستوى الخطاب إلى مستوى المؤسسة المشتركة، ارتفعت فرصه في الاستمرار والاتساق الفني والتنظيمي.

أما بين أوروبا وآسيا، فإن العالم يقدّم لنا اليوم درساً إضافياً: السكك الحديدية لا تزدهر فقط لأن القطارات جيدة، بل لأن الجغرافيا السياسية أصبحت أكثر تعقيداً. الاتحاد الأوروبي يتحدث الآن بوضوح عن الممر العابر لبحر قزوين بوصفه بديلاً متنامياً يربط أوروبا بتركيا والبحر الأسود وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى، ويشير إلى أن التجارة على هذا المسار تضاعفت أربع مرات منذ 2022. والأهم من ذلك أن الدراسة الأوروبية لا تركّز على البنية التحتية الصلبة وحدها، بل على “القواعد” أيضاً: مواءمة الإجراءات الحدودية، وتحديث المعابر، وجذب الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وربط النقل بالطاقة والرقمنة. هنا تتكشف الحقيقة الكاملة: الممر السككي الحديث هو تحالف بين الهندسة والحكم الرشيد.

ولهذا لا يمكن أن تنجح السكك الحديدية العابرة للحدود بلا حوكمة اتفاقيات على درجة عالية من النضج. فالمطلوب ليس فقط أن تتفق الدول على المسار، بل أن تتفق على المعايير الفنية، والتشغيل البيني، والعبور الجمركي، وتبادل البيانات، وإدارة المخاطر، وسلامة الشحنات، وأمن الحدود، وتسويات الرسوم، وآليات فض النزاعات. وتكفي الإشارة إلى أن منظومة الأمم المتحدة للنقل البري والسككي عبر لجنة النقل الداخلي تقوم على أكثر من 60 أداة قانونية وتنظيمية تغطي النقل عبر الحدود، والنقل الدولي بالسكك، والإجراءات الميسّرة للحركة العابرة. معنى ذلك أن القضبان وحدها لا تصنع الربط؛ الذي يصنعه فعلاً هو: القانون والإجراءات والمؤسسات والثقة المتبادلة.

كما أن للسكك بعداً أمنياً لا يقل عن بعدها الاقتصادي. فالخط الحديدي المنظم يقلّل من الفوضى التشغيلية، ويمنح الدول قدرة أعلى على تتبع الحركة، وجدولة التدفقات، وتقليل الاختناقات، ورفع سلامة النقل. وفي البيئات الإقليمية المضطربة، تصبح الممرات البرية المنظمة جزءاً من أمن الدولة وأمن التجارة معاً. ولهذا السبب تُطرح السكك اليوم أيضاً بوصفها خياراً يعزز المرونة الاستراتيجية في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية. حتى النقاش الأوروبي حول الممرات الجديدة يربط بوضوح بين النقل والطاقة والاتصال الرقمي والأمن السيبراني، بما يؤكد أن السكك لم تعد ملف وزارة نقل فقط، بل ملف دولة ومحيط إقليمي.

إن عصر السكك الحديدية، إذن، ليس عودة رومانسية إلى القاطرات، بل عودة عقلانية إلى منطق الربط المنظم. فالدولة التي تربط داخلها بالممرات الحديدية لا تختصر المسافات فقط، بل تختصر الفاقد الاقتصادي. والدول التي تربط أقاليمها ببعضها لا تفتح خطوط تجارة فحسب، بل تفتح خطوط ثقة وتكامل. والقارات التي تستثمر في الممرات السككية لا تبحث فقط عن طريق بديل، بل عن نظام بديل للهشاشة. ومن هذه الزاوية، تبدو مشاريع الأردن، وإمكانات إحياء خط الحجاز، والطموحات الخليجية، والممرات الأوراسية، كلها أجزاء من قصة واحدة: العالم يعيد اكتشاف أن السكك الحديدية ليست وسيلة من الماضي، بل لغة من لغات المستقبل.

خلاصة الرأي

في تقديري، من يقرأ التحولات الجارية بعين استراتيجية سيدرك أن القرن الحادي والعشرين لن يكون عصر الطرق فقط، ولا عصر الموانئ فقط، ولا عصر الطيران فقط، بل سيكون، على نحو متزايد، عصر الشبكات المتكاملة، وفي قلبها السكك الحديدية. لكن النجاح لن يكون للدول التي تضع القضبان فحسب، بل للدول التي تُحسن حوكمة المسارات، وتوحيد المعايير، وتنسيق الحدود، وربط النقل بالتجارة والدبلوماسية والأمن والتنمية. هناك فقط يتحول القطار من وسيلة نقل إلى وسيلة نهوض.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى