
لفت نظري أمس، وأنا أراجع فصلًا من كتابي “تشريح العقل الصهيوني”، وقفةٌ عند شخصيةٍ لعبت دورًا بالغ الخطورة في رسم مسارات منطقتنا خلال العقود الاربعة الأخيرة. توقفت طويلًا عند فكرةٍ محورية أكّدها بوضوح: أن “التطبيع” لم يُصمَّم يومًا كأداة سلام، بل كمدخلٍ محكم للهيمنة وإعادة تشكيل الإقليم من الداخل.
واللافت أكثر أن هذه القراءة لم تأتِ من مراقبٍ بعيد، بل من فاعلٍ تنقّل بين ملفات معقدة من “فنزويلا” إلى “إيران”، ما يمنح رؤيته اليوم دلالةً خاصة في ظل ما نشهده من تحولات متسارعة.
هذه الإشارة وحدها كفيلة بأن تدفعنا لإعادة النظر في كثيرٍ مما يُطرح حول “السلام” و”الاستقرار”، وفهم ما يجري لا بوصفه تسوياتٍ عابرة، بل ضمن مشروعٍ أوسع لإعادة هندسة المنطقة.
وإليكم خلاصة الفصل:
“إليوت أبرامز – مهندس الحروب الباردة الجديدة ورأس حربة المشروع الصهيوني الأمريكي”
· مبعوث أمريكي سابق للشرق الأوسط – عضو بارز في مجالس الضغط الصهيوني
· يُعدّ أحد العقول التي تصيغ السياسة الخارجية الأمريكية وفق الرؤية الصهيونية.
· عُرف بتأييده لانقلابات وتدخلات أمريكية لخدمة المصالح الإسرائيلية.
لا يمكن فهم طبيعة الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني دون التوقف عند الشخصيات التي صاغت فلسفة هذه الشراكة ودفعت بها من التنظير إلى التخطيط، ومن التخطيط إلى التنفيذ. وإليوت أبرامز هو أحد أبرز هؤلاء، بما يمثله من التقاء نادر بين العقيدة الصهيونية، والوظيفة الأمريكية، والدور الدولي في إعادة هندسة الشرق الأوسط بما يخدم أهداف إسرائيل الكبرى.
أبرامز ليس مجرد دبلوماسي مخضرم، بل هو “عقل استراتيجي عميق” في دوائر المحافظين الجدد، وذراع تنفيذية مؤثرة في ملفات الحروب والتدخلات والنفوذ في العالم الإسلامي. انخرط في مراحل متعددة من صياغة السياسات الأمريكية تجاه قضايا المنطقة، من دعم الحركات الانقلابية في أمريكا اللاتينية، إلى هندسة الحرب على العراق، ثم بلورة سياسات الضغط الأقصى على إيران، والضغط الناعم على الفلسطينيين.
وتكمن أهمية هذه الورقة في أنها تحلل شخصية أبرامز من زاويتين متكاملتين: الأولى، فكرية – استراتيجية، ترصد منهجه في التفكير ووظيفته في المشروع الصهيوني. والثانية، عملية – تنفيذية، ترصد أدواره في رسم السياسات وصناعة الوقائع على الأرض. وتتناول كذلك طبيعة النفوذ الذي مارسه في الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وآلية استثماره للنفوذ اليهودي في تشكيل شبكة دعم إسرائيل داخل مؤسسات الحكم الأمريكي.
هذه القراءة محاولة لفهم “العقل العملي” وراء كثير من الانهيارات في المنطقة، من بيروت إلى بغداد، ومن رام الله إلى دمشق. وهي قراءة في مزيج معقّد من الإيديولوجيا، والخبرة الاستخباراتية، والارتباط العقائدي بإسرائيل، يقدمه إلـيوت أبرامز كنموذج لمهندس من مهندسي الشرق الأوسط الجديد، في نسخته الصهيونية – الأمريكية.
السيرة الشخصية والتكوين الفكري – الديني والسياسي – لإليوت أبرامز
إليوت أبرامز هو أحد أبرز رموز المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، ويمثل جيلًا من النخبة السياسية الأمريكية التي جمعت بين الولاء العقائدي العميق لإسرائيل، والخبرة المتقدمة في دوائر القرار، والقدرة على التحرك داخل أروقة الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وُلد أبرامز عام 1948 لعائلة يهودية أرثوذكسية في مدينة نيويورك، مما وفّر له بيئة دينية – ثقافية مشبعة بالهوية اليهودية الصهيونية، وفتحت له أبواب التماهي المبكر مع المشروع الإسرائيلي في فلسطين.
تخرّج أبرامز من كلية هارفارد للقانون، وحصل على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة لندن، ثم سرعان ما انخرط في العمل السياسي من بوابة الحزب الديمقراطي، قبل أن يتحوّل لاحقًا إلى أحد منظّري الجمهوريين وأذرعتهم المتقدمة في السياسة الخارجية. وقد شكّل انضمامه إلى “اللجنة الأمريكية من أجل السلام والأمن في الشرق الأوسط” نقطة تحوّل في مسيرته، حيث بدأ يربط بين رؤيته للمصالح الأمريكية ورؤيته لما يعتبره “مصالح إسرائيل كدولة يهودية في منطقة معادية”.
يعكس التكوين الفكري لأبرامز مزجًا بين ثلاثة تيارات:
- العقيدة اليهودية الأرثوذكسية: التي تعطي “أرض إسرائيل” مركزية لاهوتية وتاريخية.
- المحافظة السياسية الأمريكية: التي ترفض التعددية الثقافية وتدعو للهيمنة الأمريكية الأحادية.
- البراغماتية الأمنية: التي ترى في التحالف مع إسرائيل ضرورة استراتيجية للسيطرة على الشرق الأوسط.
ولعلّ أبرز ما يميّز أبرامز في هذا السياق هو فهمه العميق للتقاطعات بين النفوذ اليهودي في الداخل الأمريكي، والمصالح الجيوسياسية للولايات المتحدة، والمشروع التوسعي لإسرائيل، وقدرته على تحويل هذه التقاطعات إلى مداخل نفوذ ومشاريع تغيير عميق في بنية المنطقة.
الوظائف والأدوار السياسية لإليوت أبرامز داخل الإدارات الأمريكية المتعاقبة
شكّل إليوت أبرامز نموذجًا متقدمًا لما يُعرف بـ”الدولة العميقة الأميركية المؤيدة لإسرائيل”، حيث شغل مناصب حساسة في الإدارات الجمهورية المتعاقبة، ابتداءً من عهد رونالد ريغان وصولًا إلى دونالد ترامب، مما جعله شاهدًا ومهندسًا لعدة تحولات استراتيجية في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط.
▪️في إدارة رونالد ريغان (1981–1989):
كان أبرامز من الأسماء البارزة في وزارة الخارجية الأميركية، وتولى منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون منظمات حقوق الإنسان، ثم للشؤون الأميركية – اللاتينية، حيث ارتبط اسمه بـ”فضيحة إيران – كونترا” بعد دعمه السري للثوار اليمينيين في نيكاراغوا. وقد كشفت هذه المرحلة عن توجّهه الحقيقي القائم على دعم الأنظمة الحليفة لإسرائيل أو للمصالح الأميركية، حتى على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان.
▪️في إدارة جورج بوش الابن (2001–2009):
عاد أبرامز بقوة إلى الواجهة، حيث شغل منصب نائب مستشار الأمن القومي لشؤون الشرق الأدنى وشمال إفريقيا، وكان من أبرز المخططين لغزو العراق، ومن المؤمنين بأن تغيير الأنظمة بالقوة سيخدم أمن إسرائيل ويعيد رسم الخارطة السياسية للمنطقة. كما أشرف على ملف العلاقات مع الفلسطينيين، وكان من أشد معارضي فوز حماس في الانتخابات، وضغط بقوة لعزلها وفرض الحصار على غزة.
▪️في إدارة دونالد ترامب (2017–2021):
عُيّن أبرامز مبعوثًا خاصًا لفنزويلا أولًا، ثم لإيران في 2020، وهي خطوة فسّرت بأنها جزء من “حرب العقوبات القصوى” ضد طهران كخصم استراتيجي لإسرائيل. وواصل أبرامز في هذه المرحلة ترويجه لأولوية “تطبيع العلاقات العربية – الإسرائيلية”، وربط ذلك باستقرار الأنظمة وحماية المصالح الأميركية – الإسرائيلية.
لقد مارس أبرامز خلال كل تلك الإدارات دورًا مزدوجًا: مستشارًا استراتيجيًا ومهندسًا خفيًا للقرارات المرتبطة بإعادة هيكلة الإقليم على أسس تخدم بقاء إسرائيل وتوسّعها، وتحطيم أي قوى تهدد هيمنتها.
العلاقة العضوية مع المشروع الصهيوني وتصوراته لمنطقة الشرق الأوسط
لطالما كانت العلاقة بين إليوت أبرامز والمشروع الصهيوني علاقة تتجاوز حدود الدعم السياسي أو الأيديولوجي العابر، إلى شراكة استراتيجية عميقة في الرؤية والتخطيط والتنفيذ. فالرجل لم يكن فقط مدافعًا عن إسرائيل في أروقة السياسة الأميركية، بل كان أحد أبرز المهندسين لرؤية جديدة للمنطقة تُعيد تشكيل خريطتها بما يخدم التفوق الإسرائيلي المطلق.
▪️داعم لسياسة “إسرائيل أولًا”:
أبرامز يُعد من أقدم وجوه تيار المحافظين الجدد الذين تبنوا أيديولوجيا تقوم على مركزية إسرائيل في منظومة الأمن الإقليمي. كان دائم الدعوة إلى تصفية قوى “الرفض” الفلسطيني، وتكريس واقع “السلام بالإخضاع”، رافضًا أي مسار تفاوضي لا يعترف بشرعية التفوق الإسرائيلي العسكري والسياسي.
▪️مروج لمعادلة: “الديمقراطية تعني الحلفاء فقط”:
رغم كتاباته المتكررة عن حقوق الإنسان، إلا أن أبرامز برّر دعم الانقلابات والأنظمة السلطوية طالما كانت متحالفة مع المشروع الأميركي – الصهيوني. وقد اعتبر أن فوز الإسلاميين أو أي قوى رافضة لإسرائيل في الانتخابات تهديد استراتيجي، يستدعي تدخلًا لحرمانهم من السلطة. هذا ما طبقه بعد انتخابات غزة 2006 وما أشار إليه في مذكراته بوضوح.
▪️رؤية لتقسيم المنطقة على أسس “صراعية مضبوطة”:
سعى أبرامز إلى تحويل الصراعات في المنطقة إلى صراعات طائفية وقومية تُضعف الجبهة الإسلامية – العربية وتفتح الطريق أمام “الشرق الأوسط الجديد” بزعامة إسرائيل. وقد دعم علنًا الحروب الداخلية في سوريا والعراق واليمن باعتبارها فرصة لإضعاف الخصوم التقليديين لإسرائيل.
▪️التطبيع بوصفه أداة هيمنة:
لم يكن أبرامز يرى في التطبيع مجرد خطوة رمزية، بل أداة عملية لبناء تحالف صلب بين إسرائيل والأنظمة العربية ضد إيران وتركيا والإسلاميين. وهو من صاغ الرؤية التي تبنتها إدارة ترامب فيما عُرف بـ”اتفاقات أبراهام”، واعتبر أن فشل مصر وتركيا في إنتاج نموذج مقبول من الإسلام السياسي يفتح المجال لتصنيفهم كخصوم استراتيجيين.
أبرامز لا يخفي انحيازه، بل يعتبره جزءًا من مبدئيته. وفي كتاباته يُعلن بوضوح أن “استقرار إسرائيل هو استقرار للولايات المتحدة، وأمنها هو أمن لنا”، ليؤكد أن المشروع الصهيوني ليس فقط خيارًا استراتيجيًا، بل التزامًا أيديولوجيًا للحفاظ على الهيمنة الأميركية.
البعد الديني – العقائدي في فكر إليوت أبرامز ودوره في صياغة تحالف المحافظين الجدد
يُعد إليوت أبرامز أحد أبرز من جسّدوا المزج بين الانتماء اليهودي الصهيوني والرؤية الإنجيلية – المسيحانية التي تبنّاها تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة. وهذا البعد العقائدي لم يكن هامشياً أو شخصياً، بل أصبح إطارًا نظريًا وفكريًا لصياغة سياسات أميركا تجاه الشرق الأوسط.
▪️اليهودية الصهيونية في قلب الهوية السياسية:
ينحدر أبرامز من أسرة يهودية أرثوذكسية ذات جذور صهيونية، وقد ظل متمسكًا بهذا الانتماء حتى خلال فترات تقلده مناصب سياسية رفيعة. في كتاباته، يربط بوضوح بين العقيدة اليهودية وبين “حق إسرائيل الأبدي في الأرض”، ويصف هذا الرابط بأنه “جوهر الأمن القومي الأميركي في الشرق الأوسط”.
▪️تحالفه الوثيق مع الإنجيليين:
شكل أبرامز جسرًا رئيسًا بين الصهيونية اليهودية والمحافظين الإنجيليين المسيحيين الذين يرون في قيام إسرائيل خطوة إلهية تمهّد لعودة المسيح. وقد ساهم في بناء هذا التحالف خلال إدارة بوش الابن، وصاغ الكثير من خطاباته الخارجية في ضوء هذه الرؤية. وفي أكثر من مرة، وصف المسيحيين الإنجيليين بأنهم “أكثر التزامًا بإسرائيل من بعض اليهود الليبراليين أنفسهم”.
▪️العداء العقائدي للإسلام السياسي:
من خلال هذه الخلفية، يرى أبرامز أن الإسلام السياسي لا يمثل فقط خصمًا سياسيًا، بل تهديدًا لرسالة الغرب الحضارية ولليهودية والمسيحية على السواء. وهذا ما يفسر تحريضه المبكر والمستمر ضد الحركات الإسلامية، وخاصة “الإخوان المسلمون”، ورفضه المطلق لأي صيغة تتيح لهم الحكم.
▪️الرؤية الخلاصية للمنطقة:
ينظر أبرامز للشرق الأوسط كميدان لصراع روحي – حضاري، حيث يجب إزاحة “الثقافات الرافضة” واستبدالها بقيم ليبرالية – دينية مهيمنة، يكون لإسرائيل فيها الدور القيادي. وهذا ما جعله يدعو إلى “إعادة بناء الشرق الأوسط على أسس جديدة”، وهي العبارة التي استخدمتها إدارة بوش بعد غزو العراق، وكان أبرامز أحد من صاغوا هذا المفهوم نظريًا.
هذا البعد العقائدي لا يُفهم باعتباره حالة دينية فردية، بل باعتباره محفزًا استراتيجيًا يؤطر سياسات متسقة، ويمنحها شعورًا بالرسالة، وهو ما يجعل من أبرامز أحد أكثر العقول تأثيرًا في المزج بين الدين والسياسة في المشروع الصهيوني الأميركي.
المهام التنفيذية والسياسات العملية التي قادها إليوت أبرامز لخدمة المشروع الصهيوني
لم يكن إليوت أبرامز مجرّد مفكر أو منظّر، بل كان من القلائل الذين انتقلوا من صياغة الرؤية إلى تنفيذها داخل غرف القرار الأميركي، متقلّدًا مناصب حساسة في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، ومؤديًا أدوارًا مباشرة في توجيه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، بما يخدم الرؤية الصهيونية – الإنجيلية التي آمن بها.
▪️منسّق السياسات في مجلس الأمن القومي (2001–2009):
تولى أبرامز منصب نائب مستشار الأمن القومي لشؤون الشرق الأوسط خلال إدارة جورج بوش الابن، حيث لعب دورًا محوريًا في:
• هندسة غزو العراق 2003 باعتباره خطوة استراتيجية لتفكيك “الأنظمة المعادية لإسرائيل”.
• إدارة ملف العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، ودعم خطط بناء المستوطنات الإسرائيلية وتجميد أي ضغوط لوقفها.
• الدفع بمشروع “الشرق الأوسط الكبير” الذي كان يستهدف إعادة تشكيل المنطقة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا.
▪️التحريض ضد الحركات الإسلامية:
كان أبرامز أحد أبرز معارضي دمج الحركات الإسلامية في المشهد السياسي. فقد عارض بقوة فوز حماس في انتخابات 2006، وسعى لتجفيف مصادر تمويلها وشيطنة تجربتها. كما دعم علنًا الانقلاب على الإخوان المسلمين في مصر بعد 2013، معتبراً أن صعودهم “تهديد استراتيجي” للغرب وإسرائيل.
مهندس مشاريع التفتيت الناعم، حيث تبنّى أبرامز رؤية تفكيكية للمنطقة، تقوم على:
• دعم الأقليات العرقية والدينية كأدوات توازن ضد الأغلبية السنية.
• استثمار الصراعات الطائفية في العراق وسوريا واليمن لخلق كيانات ضعيفة ومتقاتلة.
• دعم فصل غزة عن الضفة الغربية لعزل حماس واستنزافها.
▪️سياسات العقوبات والحصار:
دفع أبرامز في اتجاه استخدام العقوبات كأداة استراتيجية، سواء ضد إيران، أو ضد أي طرف يدعم المقاومة الفلسطينية، كما دعم تصنيف كيانات عربية وإسلامية كـ “إرهابية” لإضعاف حواضن المقاومة.
▪️تكريس التطبيع وتفكيك القضية الفلسطينية:
في السنوات الأخيرة، كان أبرامز من أشد المروجين لاتفاقات إبراهام، باعتبارها “نقطة تحول تاريخية” تعيد صياغة الشرق الأوسط على قاعدة “السلام مع إسرائيل أولًا”، متجاهلًا القضية الفلسطينية، وداعيًا لتحويلها إلى ملف إنساني فقط. بهذه المهام والسياسات، جسّد أبرامز العقل التنفيذي للمشروع الصهيوني داخل الإدارة الأميركية، وحرّك أدوات الضغط والتفكيك والتطبيع ضمن مشروع متكامل يخدم الرؤية الإسرائيلية لمستقبل المنطقة.
تحالفات إليوت أبرامز الإقليمية والدولية وأدواته في تمرير السياسات
كان إليوت أبرامز واعيًا تمامًا أن تنفيذ المشروع الصهيوني في المنطقة لا يمكن أن يتم فقط بالقوة الأميركية أو بالدعم الإسرائيلي المباشر، بل يتطلب تشكيل شبكات من التحالفات الإقليمية والدولية، وتوظيف أدوات ناعمة وخشنة معًا لتمرير السياسات وتغيير الخريطة الجيوسياسية للعالم العربي والإسلامي.
▪️أولًا: التحالف مع أنظمة عربية موالية للمشروع الصهيوني
• سعى أبرامز لتقوية العلاقة بين الولايات المتحدة وعدد من الأنظمة العربية التي توافقت مصالحها الأمنية مع إسرائيل.
• دعم صفقات التطبيع المبكر، واعتبرها خطوة تكتيكية لتجاوز القضية الفلسطينية.
• شجّع على تقديم المساعدات المالية والعسكرية لهذه الأنظمة مقابل مواقف سياسية تخدم المشروع الأميركي-الإسرائيلي، مثل الوقوف ضد “الإسلام السياسي” ومقاطعة قوى المقاومة.
▪️ثانيًا: التنسيق الوثيق مع اللوبيات الصهيونية والإنجيلية
• كانت علاقته قوية بالـ AIPAC، ومع المؤسسات الإنجيلية التي ترى في “إسرائيل الكبرى” نبوءة توراتية.
• استخدم هذه الشبكات في التأثير على الكونغرس والرأي العام الأميركي لدعم السياسات المتطرفة تجاه المنطقة.
▪️ثالثًا: دعم الأنظمة العسكرية والانقلابية
• كان أحد داعمي انقلاب السيسي في مصر، واعتبره ضرورة لاستئصال الإخوان ومنع تكرار تجربة “الربيع العربي”.
• برر استخدام القوة ضد الإسلاميين والمعارضين باعتباره “حماية للاستقرار ومصالح الغرب”، وهو المنطق الذي سعى لتعميمه على عدة دول.
▪️رابعًا: التحالفات غير المباشرة مع قوى انفصالية أو أقلوية
• دعمًا لرؤية التقسيم الناعم، شجّع قوى كردية في العراق وسوريا، ودوائر انفصالية في اليمن والسودان وليبيا.
• استثمر هذه الكيانات كورقة ضغط استراتيجية ضد الدول المركزية، ما يعزز قابلية التفكك والتفتيت.
▪️خامسًا: أدواته في تمرير السياسات - العقوبات الاقتصادية: كان من أبرز منظّري فرض العقوبات كأداة “أخلاقية” لإسقاط الأنظمة أو تعديل سلوكها، من إيران إلى سوريا إلى لبنان.
- الإعلام الموجه والدعاية السوداء: استخدم شبكات إعلامية ضخمة لنشر خطاب التخويف من الإسلاميين وترويج الخطاب الصهيوني.
- المنظمات الحقوقية الموجهة: دعم توظيف منظمات غربية في تبرير التدخلات أو تصنيف الخصوم كـ “إرهابيين”، ما وفّر الغطاء الدولي للسياسات العدوانية.
بهذه التحالفات والأدوات، شكّل أبرامز منظومة تنفيذية متكاملة تخترق البنى السياسية العربية، وتعيد توجيهها بما يتوافق مع الرؤية الصهيونية الأميركية الجديدة.
موقف إليوت أبرامز من التحولات الجيوسياسية بعد طوفان الأقصى وحرب غزة
مع اندلاع عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023، وما تبعها من حرب إبادة شاملة شنّتها إسرائيل ضد غزة بدعم غربي واسع، كشفت مواقف إليوت أبرامز عن عمق انخراطه في المشروع الصهيوني كمشروع توسّعي لا يقف عند حدود الدفاع عن “أمن إسرائيل”، بل يتعداه إلى إعادة رسم خريطة المنطقة بالكامل لصالح الهيمنة الصهيونية.
▪️أولًا: تأييده المطلق للعدوان الإسرائيلي
• اعتبر أبرامز أن عملية “طوفان الأقصى” كانت “الفرصة الذهبية” لاستئصال حماس، وتصفية القضية الفلسطينية “نهائيًا”.
• دعم بشكل صريح جرائم الحرب في غزة، وهاجم المؤسسات الحقوقية والدولية التي أدانت القصف الإسرائيلي.
• وصف المواقف الأوروبية المترددة بـ”الضعف الأخلاقي”، وأشاد بالموقف البريطاني والكندي والأسترالي في رفض وقف إطلاق النار.
▪️ثانيًا: إعادة تفعيل مشروع “إسرائيل الكبرى”
• كتب في أكثر من منبر استراتيجي أن العالم اليوم بات أكثر قبولًا لفكرة توسيع إسرائيل استراتيجيًا، بما يشمل السيطرة غير المباشرة على مناطق من سيناء، ومن الأردن ولبنان.
• أعاد الترويج لفكرة أن “الشرق الأوسط الجديد” لا بد أن يُدار من تل أبيب، بالتفاهم مع عواصم عربية “عقلانية” ترفض الإسلام السياسي وتؤمن بالتعاون الأمني الإقليمي.
▪️ثالثًا: التحذير من عودة الإسلاميين واستثمار خطابهم
• شدد على أن لحظة التعاطف العربي والإسلامي مع غزة يجب ألا تتحول إلى لحظة صعود جديد للإسلاميين.
• دعا الحكومات العربية إلى “ضبط الخطاب الإعلامي” ومنع موجات التعبئة الشعبية، باعتبارها تهديدًا لأمن الأنظمة وللاستقرار الإسرائيلي.
• اعتبر أن الإسلاميين سيستثمرون المشهد لتجديد شرعيتهم، وطالب بتوسيع الرقابة والملاحقة.
▪️رابعًا: دعم ضغوط التهجير وتفكيك غزة
• رأى أن تهجير سكان غزة إلى سيناء “حل مؤقت وإنساني” يجب ألا يُستبعد.
• هاجم مصر حين أبدت تحفظًا على الطرح، واعتبر أن موقف القاهرة لا يراعي “المصلحة الإقليمية”.
▪️خامسًا: ترويج فكرة التحالف الإبراهيمي كبديل شامل
• اعتبر أن إعادة توجيه البوصلة الجيوسياسية للمنطقة عبر “التحالف الإبراهيمي” (العربي–الإسرائيلي–الأميركي) هو الرد الأفضل على طوفان الأقصى.
• دعا إلى دمج الفلسطينيين في هذا التحالف فقط بصفتهم “مواطنين في دولة إسرائيل الكبرى”، لا باعتبارهم شعبًا له حق تقرير المصير.
موقف أبرامز في هذه اللحظة التاريخية لم يكن مجرد رد فعل، بل كان تجديدًا علنيًا لوظيفته في هندسة النظام الإقليمي، وفرض المشروع الصهيوني بالقوة تحت غطاء سياسي – استراتيجي ناعم أحيانًا وخشن غالبًا.
ملامح رؤية إليوت أبرامز للمنطقة ومستقبل المشروع الصهيوني
تتسم رؤية إليوت أبرامز للشرق الأوسط بمنظور وظيفي صريح، يضع إسرائيل في مركز إدارة المنطقة، ويُعيد تشكيل العالم العربي على قاعدة الخضوع للهيمنة الغربية – الصهيونية، عبر أدوات ناعمة حينًا، وخشنة في أحيان أخرى. وفي ضوء هذه الرؤية، تتجلى ملامح مشروعه الإقليمي في عدد من الأبعاد: - أمن إسرائيل هو مركز المعادلة:
أبرامز يعتبر أن أي صياغة إقليمية لا تنطلق من أمن إسرائيل أولًا هي صياغة فاشلة. وقد دعا مرارًا لأن تصبح الحدود الأمنية لإسرائيل مرنة ومفتوحة بما يتيح لها التدخل عند الحاجة في مصر، وسوريا، ولبنان، بل وحتى العراق. - التطبيع هو الطريق الحتمي لمستقبل عربي آمن:
من أبرز دعاة “صفقة القرن”، وقد اعتبرها الفرصة الذهبية لتحويل مسار الصراع، ودمج إسرائيل في المنطقة عبر مسارات اقتصادية، ودينية، وثقافية. في نظره، الرفض العربي للصفقة كان مؤقتًا، وأن الجيل القادم من القادة العرب سيكون أكثر تقبلًا لها، ما دام الغرب يدعمهم ويؤمن لهم الحماية. - تفكيك الإسلام السياسي لا بديل عنه:
يعتبر أبرامز أن جماعات الإسلام السياسي – وخاصة الإخوان – تشكل التهديد الاستراتيجي الأخطر على النظام الإقليمي. ويدعو إلى:
• تجفيف منابع خطابهم الإعلامي.
• تحجيم نفوذهم المجتمعي.
• إغلاق منصاتهم في الغرب.
• تصنيفهم كقوى إرهابية إن أمكن. - إعادة صياغة الدولة العربية لتكون وظيفية:
يرى أن الدول العربية الكبرى (مصر، السعودية، العراق) يجب أن تُعاد صياغتها لتكون:
• أكثر انخراطًا في الأمن الإقليمي الإسرائيلي.
• أقل انشغالًا بهموم شعوبها السياسية والاقتصادية.
• أكثر انسجامًا مع النظام الدولي الليبرالي الجديد. - تفعيل “التحالف الإبراهيمي” كإطار فوق قومي:
لا يراه مجرد تحالف أمني، بل كتكتل حضاري–اقتصادي يقود المنطقة لقرن قادم. ويؤمن بأن دمج إسرائيل في قيادته يجب أن يتم بلا شروط ولا تنازلات. - إدماج الشعوب في خطاب جديد:
يرى أبرامز أن العقبة أمام المشروع ليست الحكومات فقط، بل وعي الشعوب. لذلك يدعو لبرامج تغيير ثقافي وإعلامي تعيد تشكيل العقل الجمعي العربي والإسلامي ليصبح أكثر تقبّلًا للتطبيع وأقل عاطفية تجاه فلسطين.
في المجمل، تمثل رؤية إليوت أبرامز مزيجًا بين الاستعلاء الإمبراطوري، والبراغماتية السياسية، والتوراة السياسية الصهيونية، ضمن محاولة لصياغة شرق أوسط جديد، وظيفي، خاضع، ومفتّت، تتزعم إسرائيل مشهده من دون منازع.
أبرز الانتقادات التي وُجهت إلى إليوت أبرامز.. وردوده عليها
رغم حضوره القوي في صياغة سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، إلا أن إليوت أبرامز كان ولا يزال موضع جدل واسع، سواء بسبب مواقفه الفكرية، أو دوره التنفيذي، أو مواقفه الأخلاقية. ويمكن رصد أبرز الانتقادات التي وُجّهت إليه كما يلي: - تاريخه في دعم أنظمة قمعية وانقلابات دموية
• الانتقاد: يعتبر خصومه أن أبرامز من رموز السياسة الأمريكية التي دعمت الانقلابات والأنظمة القمعية، خاصة في أمريكا اللاتينية (مثل دعمه للمذابح في السلفادور وغواتيمالا)، ودوره في التغطية على جرائم الحرب.
• ردّه الضمني: يرى أن هذه الأنظمة كانت أهون الشرور في مواجهة “الخطر الشيوعي”، وأن الواقعية السياسية تتطلب تحالفات مرحلية. - تورطه في فضيحة “إيران – كونترا”
• الانتقاد: أُدين أبرامز بالكذب على الكونغرس بشأن تمويل المتمردين النيكاراغويين، ما شكّل لطخة في سجله السياسي.
• ردّه العلني: لم يُظهر ندمًا، بل اعتبر أن الهدف (إسقاط نظام ماركسي) يبرر الوسيلة، وقد حصل لاحقًا على عفو رئاسي من بوش الأب. - تعصبه الأيديولوجي وانحيازه الصارخ لإسرائيل
• الانتقاد: متهم بأنه يروّج لصياغة أمريكية للشرق الأوسط تخدم المشروع الصهيوني على حساب الشعوب العربية، وأنه لا يرى في العرب إلا أدوات أو تهديدات.
• ردّه الفكري: يرى أن إسرائيل حليف طبيعي لأمريكا، وأن الدفاع عنها هو دفاع عن القيم الغربية والديمقراطية الليبرالية، أما الإسلاميون والعرب القوميون فتهديدات للنظام الدولي. - خطابه الإقصائي تجاه الإسلام السياسي
• الانتقاد: يوصف بأنه يتعامل مع الإسلاميين بعقلية شيطانية مطلقة، لا تتيح أي مساحة للفهم أو الحوار، بل تصنيفهم كأعداء واجتثاثهم.
• ردّه السياسي: يرى أن هذه الجماعات تستغل الديمقراطية لتدميرها، وأنها إذا وصلت للحكم ستُحوّل المجتمعات إلى نظم شمولية إسلامية تقوض الحريات وتهدد أمن إسرائيل. - ازدواجية المعايير في دعم الديمقراطية
• الانتقاد: يتهم أبرامز بأنه من أبرز منظّري ازدواجية المعيار الأمريكي، حيث يدعم الديمقراطية فقط عندما تنتج أنظمة موالية، ويبرر الانقلابات ضد القوى المعارضة للمصالح الغربية.
• ردّه الضمني: يرى أن الديمقراطية ليست فقط انتخابات، بل قيم، وأن الإسلاميين لا يتبنونها أصلًا، بل يوظفونها لتحقيق أهدافهم، ومن ثم لا يصح منحهم الشرعية. - فشله في ملفات عديدة رغم نفوذه
• الانتقاد: رغم نفوذه، فشل أبرامز في:
• فرض صفقة القرن.
• إسقاط النظام الإيراني.
• إنجاح التدخل في فنزويلا.
• ردّه الممكن: يعتبر أن هذه الملفات طويلة المدى، وأنه ساهم في تمهيد الطريق، حتى لو لم يقطف النتائج خلال ولايته.
في المحصلة، فإن أبرامز ليس فقط مفكرًا ومخططًا، بل هو من الذين يرون أن صناعة المستقبل تتطلب إرادة صارمة، وتحمّل تكلفة أخلاقية، وإدارة إعلامية للمشروع. وهذا ما يجعله شخصية خلافية، لكنها مركزية في فهم التحولات الأمريكية – الإسرائيلية في المنطقة.
التقييم العام لدور إليوت أبرامز في هندسة المشروع الصهيوني بالمنطقة
يُعد إليوت أبرامز أحد أبرز مهندسي المشروع الصهيوني من داخل الماكينة السياسية الأمريكية، ومن أهم من رسّخوا تحول “دعم إسرائيل” من سياسة إلى عقيدة استراتيجية داخل دوائر القرار الأمريكي. ولعل تقييم دوره يتطلب فهم موقعه في المشهد، ومقارنة أدائه وأثره، وتحديد طبيعة إسهامه في تحقيق أهداف المشروع الصهيوني، وذلك ضمن النقاط التالية: - من الدمج إلى الإعلاء: دعم غير مشروط لإسرائيل
منذ بداياته، شكّل أبرامز أحد الجسور التي دمجت بين “العقيدة الإنجيلية” و”المشروع الصهيوني”، وارتقى بالدعم الأمريكي لإسرائيل من كونه دعمًا سياسيًا – عسكريًا، إلى كونه واجبًا أخلاقيًا – دينيًا. وقد ساهم في:
• تسويق إسرائيل كـ”قلعة الديمقراطية” وسط محيط عربي إسلامي متخلف وعدواني.
• تجريم أي نقد لإسرائيل باعتباره عداءً للسامية أو تهديدًا للأمن القومي الأمريكي. - شيطنة الإسلام السياسي وتهيئة بيئة الاجتثاث
لعب أبرامز دورًا فكريًا واستخباريًا في شيطنة تيارات الإسلام السياسي المعتدل، لا المتشدد فقط، وقدمها في أدبياته على أنها:
• التهديد الأخطر لأمن إسرائيل.
• بيئة خصبة للإرهاب، حتى لو كانت في الحكم عبر صناديق الاقتراع.
• حركة توسعية تسعى لهدم الأنظمة الوطنية واستبدالها بدولة الخلافة المعادية للغرب.
وقد استثمر ذلك في تبرير دعم الثورات المضادة والانقلابات، كما في مصر وتونس وليبيا، أو تحييد الفاعلين الإسلاميين في السودان والمغرب. - التأثير على الرأي العام الأمريكي والكونغرس
بفضل تاريخه وموقعه داخل مؤسسات القرار، ساهم أبرامز في:
• صياغة تقارير ومذكرات أمن قومي ترسم خريطة الخصوم والحلفاء وفقًا للمصالح الإسرائيلية.
• الضغط لصياغة قوانين تجمّد المساعدات أو تفرض عقوبات على الدول أو الحركات التي تعارض إسرائيل.
• دعم الحركات الموالية للتطبيع، والتشكيك في مشروعية أي تحالف مقاوم. - تكريس الرؤية الصهيونية في الحل النهائي للقضية الفلسطينية
كان أبرامز من داعمي:
• نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.
• الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان.
• تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين.
• تعزيز خيار الضم التدريجي والتهجير الناعم للفلسطينيين، ورفض حل الدولتين كـ”وهم”. - تثبيت إسرائيل كركيزة استراتيجية في النظام الإقليمي الجديد
يرى أبرامز أن المنطقة تعيد تشكيل ذاتها بعد ما يُعرف بـ”الربيع العربي”، وأن على إسرائيل أن:
• تتصدر المنظومة الإقليمية.
• تشكّل شبكة مصالح اقتصادية – أمنية – تكنولوجية مع الدول العربية المطبّعة.
• تُنهي وجود القوى الإسلامية في الإقليم، عبر الشيطنة أو الاستئصال أو التحجيم.
أبرامز ليس مجرد موظف سياسي، بل “مهندس رؤيوي” لمشروع متكامل يتجاوز أمن إسرائيل إلى صياغة شرق أوسط جديد تتربع فيه إسرائيل على القمة، ويتم فيه تحييد قوى الإسلام والمقاومة، وتكريس تبعية عربية سياسية وأمنية واقتصادية.
ويمثل أبرامز مع أمثاله من المحافظين الجدد والإنجيليين المتصهينين إحدى أهم حلقات الدمج بين “العقيدة السياسية الأمريكية” و”الرؤية الصهيونية الكبرى”.







