
حين كنت أغطي حربا ضد أفغانستان امتدت عشرين عامًا، رأيتُ كيف تتهاوى الاستراتيجيات. واليوم، تبدو بعض الأوهام نفسها وكأنها تعاود الظهور علي جبال زاجروس الإيرانية.
بقلم يحيى غانم
حين عدتُ إلى مؤسسة الأهرام عام 2006، بعد ست سنوات من تغطية الحروب في إفريقيا جنوب الصحراء، بدا الأمر في ظاهره مزيدا من التحقق المهني، حيث تم تعيني محررًا دبلوماسيًا في أعرق صحيفة مصرية، وهو منصب كان كفيلًا بأن يرضي طموح كثيرين. غير أن ما شعرت به كان أقرب إلى الفراغ.
فمن قضى سنوات طوال في تغطية الحروب من المواقع الأمامية، لا ينسلخ عنها بسهولة.
وكأي إنسان طبيعي، فإنني أمقت الحرب، إلا إنه علي المستوي المهني تعد الحرب تجربة تترك أثرًا عميقًا في النفس. هناك، تحت هدير الطائرات، وعلى مقربة من الموت، يرى الإنسان العالم من دون أقنعة، وذلك قبل أن يعود إلى المكاتب والبيانات الرسمية، فيخال كل شيء ساكنًا بأكثر مما ينبغي.
في الأول من مارس عام 2008، طرح علي سؤال أعاد فتح الباب الذي ظننته قد أُغلق: هل تحب أن تعود إلى أفغانستان؟
كان السائل صديقًا دبلوماسيًا أمريكيًا، وفي الوقت ذاته كان يتولى التنسيق مع حلف شمال الأطلسي في السفارة الأمريكية. قال لي الصديق الأمريكي إن القوات الدولية في Afghanistan، المسماة بالقوة الدولية للمساعدة الأمنية (أيساف)، تتعثر على نحو خطير. فعلى الرغم من التفوق العسكري الساحق، ظلت المقاومة الأفغانية عصية على الكسر. كانت القوة الدولية تبحث عمن يفهم الأرض، لا من علٍ، بل من داخلها؛ يفهم تضاريسها الاجتماعية والثقافية كما يفهم جغرافيتها القاسية.
كنت قد غطيت الحرب الأفغانية في تسعينيات القرن العشرين من علي جانبي طالبان والتحالف الشمالي. ومنذ اللحظة الأولى عارضت الغزو الأمريكي، وقلت إنه سيتحول إلى حرب استنزاف طويلة. ولعل هذا، للمفارقة، هو ما جعل القوة الدولية (أيساف) تطلب رأيي.
جبال هندوكوش ودرس الميدان
بعد أسابيع قليلة، وجدت نفسي مجددًا في شرق أفغانستان، في ولاية كونار، إحدى أكثر ساحات الحرب قسوة ووحشة. هناك، حيث تمتد جبال هندوكوش كأنها جدار من الصخر والغضب، يدرك المرء سريعًا أن الجيوش لا تفتح مثل هذه البلاد؛ فأقصى ما تفعله هو محاولة النجاة منها.
في وقت لاحق، التقيت الفريق ديفيد ماكيرنان، الجنرال الأمريكي ذي الأربع نجوم، وقائد قوات أيساف آنذاك. كان الرجل يعتقد أن نموذج “الصحوات” الذي استُخدم في Iraq، يمكن نسخه فى أفغانستان.
قلت له بهدوء: ما يدور في ذهنك لن ينجح.
ثم أضفت: أفغانستان ليست مجتمعًا قبليًا فحسب، بل هي مجتمع تقوم بنيته كلها على التوازنات القبلية. وطالبان ليست جسمًا طارئًا جاء من خارج المجتمع، بل هي جزء من نسيجه العميق. وأي محاولة لاستنساخ تجربة العراق هنا لن تفشل فقط، بل ستنقلب إلى ضدها. فالاستراتيجية التي تُبنى على سوء فهم المجتمع، هي وصفة للفشل والهزيمة.
عندما تخسر القوة حربها
بعد أسابيع، وفي مقر حلف الناتو ببروكسل، عرضت تقديري للموقف، لا بصفة عسكرية، بل بصفة رجل شهد سبع حروب ورأى كيف تبدأ وكيف تنتهي. قلت لهم:
لقد أدهشتني القوة العسكرية الهائلة التي يملكها التحالف، ولا سيما الأمريكيون. سرعة مذهلة في نقل القوات جوًا، جنود مدربون على أعلى مستوى، دعم جوي ومدفعي كاسح، وإمدادات تكاد لا تنفد من العتاد والذخيرة والوقود. الأمر برمته، وفق كل المقاييس التقليدية، آلة حرب لا تقهر.
ومع ذلك، فأنتم تخسرون.
بدا أن التحالف يظن أن النصر يتحقق بكسر إرادة طالبان عبر القصف الكثيف واستخدام القوة المجردة. لكن هذا النهج لم يكن عديم الجدوى فحسب، بل كان يغذي ما تريدون القضاء عليه. فالضحايا المدنيون لم يضعفوا المقاومة، بل زادوها اتساعًا وصلابة.
قوة النيران، مهما عظمت، لا تساوي شيئًا إذا غابت المعلومات الدقيقة. وفي أفغانستان، كانت الاستخبارات قد دخلت طور العجز. وكلما ازدادت التكنولوجيا تقدمًا، من أقمار صناعية ومراقبة جوية، ازدادت أساليب طالبان بساطة ومراوغة، وذلك بالتوحد مع جبالهم وداخل كهوفها. لم يكن التحالف يطارد عدوًا مرئيًا، بل يطارد أشباحًا.
وفي حقيقة الأمر، لم يعد التحالف هو من يدير الحرب، بل إن طالبان هي التي تفرض الإيقاع، والتحالف يلهث وراءها بردود أفعال. ومن هنا قامت القوة الدولية (أيساف) بتطوير استراتيجية مفادها “البحث والتدمير”، وهي في رأي تجسيد للفشل الأخلاقي والاستراتيجي.
الهزيمة قبل الاعتراف بها
وكان استنتاجي واضحًا لا لبس فيه: لقد تجاوز التحالف الغربي الجمود العسكري إلي الهزيمة، وأن الطريق الوحيد الممكن ليس عسكريًا، بل سياسيًا؛ ويتمثل في تفاوض جاد مع ممثلين حقيقيين لطالبان. فالتفاوض لم يعد تنازلًا، بل هو المخرج الوحيد الممكن.
وختمت كلامي بتحذير لم يرق لكثيرين: قد تربحون كل معركة، ولكنكم تخسرون الحرب.
ثم قلت لهم عبارة لا تزال عالقة في ذهني إلى اليوم: لقد هزمتم بالفعل، ولكنكم لا تدركون الهزيمة، ببساطة لأنكم تنظرون إلى الجبهة من ارتفاع شاهق.
لقد احتاج حلف الناتو إلى ما يقارب اثني عشر عامًا بعد ذلك اللقاء حتى يعترف بهذه الحقيقة ويقوم بالانسحاب. خلال تلك السنوات الضائعة، كم روحًا أُزهقت بلا جدوى؟ وكم من تريليونات الدولارات أُنفقت في حرب مستحيلة الانتصار؟ وكم كان يمكن أن يُوجَّه من تلك الأموال إلى التعليم والصحة وحياة أفضل للناس؟
من هندوكوش إلى زاجروس
الواقع، أن العمى الاستراتيجي ليس فكرة مجردة، بل يمكن قياسه بالدم، والزمن، والمستقبل المهدر. ومع ذلك، فإن الدرس الأعمق لم يتم استيعابه بعد.
صحيح أن أفغانستان وإيران حالتان مختلفتان من حيث التاريخ، وطبيعة الدولة، وفي الموقع الإقليمي، وفي الوزن الحضاري. وأي مقارنة بينهما يجب أن تتم بحذر بالغ. كما أنه من الممكن، نظريًا، أن تحقق الحرب ضد إيران بعض أهدافها العسكرية أو التقنية.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع القوة أن تحقق نتائج؟ السؤال هو: أي نتائج؟ وماذا تخلف وراءها؟
اليوم، ومع تصاعد الحرب على إيران، تعاود ذهني تلك الجبال البعيدة… جبال الهندوكوش. فالجغرافيا مختلفة، لكن الوهم واحد.
فجبال زاجروس الإيرانية ليست هي جبال الهندوكوش الأفغانية، إلا إنها تحمل الحقيقة الاستراتيجية ذاتها: حين تمتزج الأرض بالهوية، يصبح إخضاعها بالقوة الخارجية وهمًا فادحا في كلفته.
ثمة من يظن أن الضغط الاقتصادي، أو العسكري، أو العمليات السرية، قادر على تفكيك إيران من الداخل. وأن الانقسامات الداخلية يمكن استثمارها كما جرى التعويل على الحسابات القبلية في أفغانستان. وهذه قراءة شديدة الخطورة.
فإيران، شأنها شأن أفغانستان، ليست مجرد دولة، بل إنها حضارة ضاربة الجذور في التاريخ، وذاكرة تاريخية حديدية، وهوية تتجاوز حدود السلطة القائمة. والضغط الخارجي في الغالب لا يُضعف مثل هذه البنى، بل يعيد شدّ عصبها الداخلي.
في أفغانستان، لم تُضعف الخسائر المقاومة، بل غذتها، وهو نفس المنطق الحاكم في حالة إيران. فالضغط قد يقوّي القوى ذاتها التي يراد كسرها.
التاريخ لا يكرر الوهم مجانًا
الشاهد، أن ما فشل في هندوكوش أفغانستان، في الغالب لن ينجح في زاجروس إيران، لكنه قد يترك وراءه مشهدا إقليميا ذي شروخ عميقة، وفوضى طويلة، وتداعيات تتجاوز كثيرًا أي مكسب عاجل.
فالتاريخ يعلمنا ببساطة: إن الحروب ضد الجغرافيا والهوية لا تُحسم بسهولة، ولا تنتهي بلطف، ولا يملك أحدٌ السيطرة على نتائجها. فهي تبدأ بقرار، ثم تمتد طويلًا من بعده، وتظل آثارها باقية بعد آخر طلقة لعقود.







