
لم يعد ما يجري في المشهد الليبي مجرد محاولات تسوية سياسية تقليدية، بل يتجه بشكل واضح نحو ما يمكن وصفه بـ”انقلاب متكامل الأركان” يُعاد من خلاله تشكيل السلطة خارج أي إطار دستوري أو إرادة شعبية حقيقية.
فالحراك المرتبط بما يُعرف بمسار بولس لا يعكس مشروع حل للأزمة، بقدر ما يمثل إعادة ترتيب دقيقة لمراكز النفوذ، عبر جمع نفس الأطراف التي ساهمت في تفكيك الدولة، ومنحها فرصة جديدة لإعادة التموضع داخل مشهد سياسي مُعاد تصميمه.
من تسوية إلى إعادة هندسة الأزمة
كما أظهرت تجارب سابقة، فإن التسويات التي لا تستند إلى قواعد دستورية صلبة، ولا تُحدث قطيعة مع مسببات الأزمة، تتحول إلى أدوات لإعادة إنتاجها.
وهذا ما يبدو جليًا اليوم، حيث يتم القفز على المسار الدستوري، واستبداله بتفاهمات ضيقة تُدار خلف الأبواب المغلقة.
بدل تفكيك البنية المسلحة، يجري استيعابها. وبدل إنهاء النفوذ الموازي للدولة، يتم تقنينه. وبدل محاسبة الفساد، يُعاد تدويره ضمن ترتيبات جديدة.
إعادة تدوير الفاعلين لا بناء الدولة
أخطر ما في هذا المسار أنه لا يطرح تغييرًا حقيقيًا، بل يعيد تقديم نفس الوجوه بأدوار مختلفة.
النخب ذاتها، الشبكات ذاتها، والتحالفات ذاتها، ولكن ضمن صيغة جديدة تُسوّق كحل.
وهذا يعني عمليًا إنتاج استقرار شكلي هش، لا يعالج جذور الأزمة، بل يؤجل انفجارها.
إدارة الصراع بدل حله
ما يُطرح اليوم لا يهدف إلى إنهاء الصراع، بل إلى إدارته بطريقة تضمن بقاء موازين القوى الحالية، وهو ما ينعكس في:
- استمرار هيمنة السلاح خارج إطار الدولة.
- تكريس اقتصاد قائم على المحاصصة والنهب.
- إضعاف فرص بناء مؤسسات سيادية مستقلة.
- تعميق الانقسام السياسي والجغرافي.
النتيجة المتوقعة: استقرار هش أو انهيار مؤجل
هذا المسار، إن استمر، سيقود إلى دولة معلّقة: لا هي مستقرة فعليًا، ولا هي منهارة بالكامل.
لكنه في جوهره يؤسس لانفجار أكبر في المستقبل، نتيجة تراكم الاختلالات دون معالجتها.
الخلاصة: أين يتجه المسار؟
السؤال الحقيقي لم يعد: هل يمكن تمرير اتفاق بولس؟
بل: ما كلفة تمريره على مستقبل الدولة الليبية؟
إن تمرير مثل هذا الاتفاق يعني تثبيت منطق القوة بدل الشرعية، وتكريس الأمر الواقع بدل الاحتكام للشعب.
وفي هذا السياق، فإن أخطر ما يُطرح هو مسألة تسليم منصب القائد العام للقوات المسلحة لصدام، إذ أن ذلك لا يمكن قراءته كإجراء إداري أو تسوية عسكرية، بل كتحول استراتيجي عميق في موازين السلطة.
فهذا المسار يعني عمليًا:
- منح السيطرة الكاملة على المؤسسة العسكرية لطرف واحد.
- فتح الطريق أمام بسط النفوذ على العاصمة طرابلس.
- إعادة تشكيل الدولة وفق منطق الغلبة لا التوافق.
وبالتالي، فإن تسليم هذا المنصب لا يعني إلا شيئًا واحدًا: إعطاء حفتر طرابلس بشكل غير مباشر، وهو ما يمثل تحولًا خطيرًا في طبيعة الدولة الليبية.
وفي بعده الأوسع، فإن ذلك يفتح الباب أمام إدخال ليبيا في ترتيبات إقليمية تتجاوز إرادتها الوطنية، ويضعها ضمن مسارات اصطفاف قد تقودها إلى ما يمكن وصفه بـ”بيت الطاعة الإسرائيلي”، بما يحمله ذلك من تداعيات سياسية وسيادية عميقة.
إن ما يجري ليس تسوية… بل إعادة تشكيل كاملة للمشهد، والسؤال الأهم: هل سيمر هذا الانقلاب بصمت، أم أن هناك من سيوقفه؟







