
في إطار هذه السلسلة التحليلية التي تتناول تحولات الصراع في المنطقة، يأتي هذا المقال امتدادًا لقراءة سابقة حملت عنوان: إسرائيل تخسر، إيران تتمدد، وأمريكا تهتز. غير أن ما أعقب وقف إطلاق النار يفرض إعادة قراءة أكثر دقة لما يجري في العلن وما يُدار في الخفاء.
الحديث عن نصر في هذه الحرب يبدو أقرب إلى سردية إعلامية منه إلى حقيقة ميدانية. فكل طرف يرفع راية الفوز، بينما تشير الوقائع إلى صورة أكثر تعقيدًا: خسائر متبادلة غير متكافئة، ومكاسب جزئية، ونتائج لم تُحسم بعد.
في قراءتنا السابقة، بدا أن إسرائيل تراجعت نسبيًا، مقابل توسع في هامش حركة إيران، مع اهتزاز في صورة الدور الأمريكي. لكن ما تلا وقف إطلاق النار لم يكن ترسيخًا لهذه المعادلة، بل إعادة تشكيل تدريجية لها تقودها واشنطن بحسابات دقيقة.
تتحرك الولايات المتحدة اليوم لاستعادة زمام المبادرة، ليس عبر المواجهة المباشرة، بل من خلال أدوات ضغط مدروسة. فالقيود المفروضة على الموانئ الإيرانية تهدف إلى تقليل فعالية أهم أوراق طهران: مضيق هرمز. والرسالة الضمنية واضحة: تحييد ورقة هرمز قبل أن تتحول إلى أداة ضغط حاسمة.
بالتوازي، يبرز توجه لفصل المسار اللبناني عن بقية ملفات الصراع، وهو ما يحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، ويضعف إحدى أهم ساحاته الاستراتيجية.
لبنان.. بين السيادة ومخاطر الفراغ
يمثل حزب الله ركيزة أساسية في بنية النفوذ الإيراني. وبالتالي، فإن تقليص دوره لا ينعكس على لبنان فقط، بل يمتد إلى مكانة إيران لدى حلفائها، ويهدد بتراجع الثقة بها وتآكل تماسك محور المقاومة.
لكن هذه المعادلة تحمل مستويات متداخلة من التعقيد. ففي حين قد يفتح إضعاف حزب الله المجال أمام استعادة القرار السيادي، فإنه قد يخلق في الوقت ذاته فراغًا أمنيًا في بيئة هشة، مع غياب دوره كخط دفاع متقدم في مواجهة إسرائيل، ما يرفع احتمالات التوتر الداخلي بدلًا من تحقيق استقرار مستدام.
إسرائيل.. مكاسب ميدانية وحدود استراتيجية
تسعى إسرائيل إلى تثبيت ما حققته على الأرض، من خلال التوغل داخل الأراضي اللبنانية ومحاولة فرض واقع شبيه بشريط عازل، في سياق امتداد لتحركاتها في سوريا وغزة، وتقديمه كإنجاز يمكن البناء عليه سياسيًا بعد تداعيات هجوم 7 أكتوبر على الداخل الإسرائيلي.
إلا أن هذه المكاسب تبقى جزئية، خصوصًا في ظل عدم تحقق الهدف الأكبر: إحداث تغيير جذري في بنية النظام في إيران.
إيران.. إدارة مرنة للأزمة
في المقابل، لا تبدو إيران في موقع رد الفعل أكثر من الفعل. فإدارتها المتزامنة بين التهدئة والتلويح بالتصعيد، خصوصًا فيما يتعلق بمضيق هرمز، وتحديدًا بالتزامن مع وقف إطلاق النار في لبنان، تعكس محاولة إيران الحفاظ على أوراقها دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
كما أن هذا السلوك يفتح الباب أمام قراءة أخرى: احتمال وجود تفاهمات غير معلنة، أو على الأقل قنوات تواصل مستمرة، رغم الخطاب العلني المتشدد من جميع الأطراف.
الملف النووي.. الورقة الحاسمة
مع تراجع بعض أدوات النفوذ الإقليمي، يظل الملف النووي أحد أهم أوراق التفاوض لدى طهران. ولا يدور النقاش حول التخلي عنه، بل حول طريقة استخدامه في إدارة الضغط السياسي والاقتصادي.
تجربة الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 توضح أن إيران تميل إلى تقديم تنازلات محدودة في مستويات التخصيب مقابل مكاسب اقتصادية وتخفيف العقوبات، دون أن تمس جوهر برنامجها النووي.
كما أن المفاوضات التي سبقت حرب الـ12 يومًا أظهرت بدورها قدرًا من المرونة الإيرانية في ملف التخصيب، بما يشير إلى استعداد للتفاهم ضمن حدود معينة، لكن دون الوصول إلى تنازل كامل أو دائم.
في المقابل، يفرض الوضع الداخلي في إيران ضغوطًا واضحة: اقتصاد متعب، وبنية تحتية متضررة، وخسائر في مستويات قيادية حساسة، ما يجعل أي اتفاق محتمل أقرب إلى حل مؤقت لتخفيف الضغط، وليس تسوية نهائية مستقرة.
إلى أين يتجه المسار؟
في ضوء هذه التوازنات، يمكن تصور ثلاثة اتجاهات محتملة:
تسوية مرحلية
وهو المسار الأقرب في المدى القريب، عبر تفاهمات غير معلنة. بمعنى آخر، نحن أمام تسوية محدودة تُدار خلف الكواليس.
تصعيد متجدد
عودة التوتر عبر مواجهات غير مباشرة أو ضربات محدودة، مع تمسك إسرائيل بخيارات عسكرية، ورد إيراني عبر أدوات إقليمية.
تفاهم غير معلن
استمرار التهدئة عبر قنوات خلفية دون إعلان رسمي، مع بقاء الخطاب المتشدد في العلن.
ويبدو أن الأرجح هو مسار تسوية مرحلية تُدار عمليًا عبر تفاهمات غير معلنة، أكثر من كونها اتفاقًا سياسيًا مكتمل الأركان، مع استمرار توظيف التصعيد كأداة ضغط متبادلة.
ويستند هذا الترجيح إلى عدة اعتبارات، أبرزها ارتفاع كلفة الحسم على جميع الأطراف، وعدم قدرة أي طرف على تحقيق أهدافه الاستراتيجية بشكل كامل، والحاجة إلى الوقت لإعادة التموضع.
ويضاف إلى ذلك تجربة الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، التي كشفت أن مسار التفاهم بين الأطراف غالبًا ما يأخذ شكل تسويات جزئية، لا حلولًا شاملة.
خلاصة المشهد
ما يجري اليوم لا يبدو نهاية حرب، بل بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا: مرحلة التسويات الرمادية، لا غالب فيها ولا مغلوب، بل توازن هش يحاول كل طرف من خلاله تقليل خسائره وتعظيم مكاسبه.
قد يعلن الجميع النصر، لكن الحقيقة الأوضح هي: لم ينتصر أحد بعد، وما يُحسم فعليًا لا يزال قيد التفاوض.
يتبع…





