شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: هشام طلعت.. ومشروع The Spine . أشعر بالقلق… لأنني أعرفهم جميعًا

أعرف المرحوم المهندس طلعت مصطفى (والد هشام) منذ سنوات بعيدة، وقد تزاملنا تحت قبة برلمان 1995.

أعرف هشام طلعت مصطفى بدرجة أقل، وقد عرفته عندما تجاورنا داخل سجن مزرعة طرة، عقب حبسه في قضية مقتل الفنانة سوزان تميم.

وأعرف للأسف الوزير الأسبق الدكتور يوسف بطرس غالي، لكن بدرجة أكبر وأخطر؛ عرفته في مواضع الصدام تحت قبة البرلمان، عرفته شخصًا مهتزًا، ووزيرًا مستهترًا، ثم هاربًا بعد يناير، ثم عائدًا مطمئنًا، ليصبح عضوًا في مجلس إدارة مجموعة طلعت مصطفى.

سبب القلق إذن ليس شكوكًا، ولا خصومة سابقة، ولا انطباعًا عابرًا، بل معرفة قديمة بأشخاص، وخبرة سابقة بأساليب، وذاكرة لا تزال تحتفظ بما يكفي كي لا أُسرف في الاطمئنان.

مشروع The Spine ليس مشروعًا صغيرًا يمكن النظر إليه كصفقة عقارية عادية. الأرقام المعلنة تقول إننا أمام مشروع تتجاوز استثماراته 1.4 تريليون جنيه، على مساحة تقارب 2.4 مليون متر مربع، وبرأس مال، وشراكة معلنة مع البنك الأهلي المصري، وتقديرات تتحدث عن حصيلة ضريبية قد تصل إلى 800–818 مليار جنيه، مع عشرات الآلاف من فرص العمل. حجم المشروع وحده كافٍ لأن يجعل الأسئلة الاستفهامية واجبًا، لا ترفًا.

فالمشكلة لا تبدأ من حجم المشروع، بل من اللغة التي أُدير بها تسويقه. الدكتور يوسف بطرس غالي خرج ليتحدث عن مئات المليارات كعائدات ضريبية، وكأن الأرقام في هذا البلد تُعلن على المنصات قبل أن تُفكك في دفاتر الحساب.

هذا الخطاب لا يدهشني؛ لأن الرجل، في تجربتي معه، لم يكن يومًا رجل التحفظ الحسابي، بل رجل رفع سقف التوقعات إلى حد المبالغة والكذب، خصوصًا حين تتقاطع الأرقام مع المصالح.

مبعث القلق الأكبر جاء من تصريح نائب رئيس البنك الأهلي المصري، الذي أكد أن البنك وحده سيتحمل نحو ربع تمويل المشروع (قرابة 24.5%)، مع وجود بنوك أخرى لم يُفصح عن أسمائها أو نسب مشاركتها. هذه الجملة الصغيرة تنقلنا من ضجيج الدعاية إلى صمت المخاطر، ومن لغة الترويج إلى لغة الائتمان.

هنا نعود فورًا إلى السؤال المشروع عن قواعد منح الائتمان، وهو سؤال موجه إلى محافظ البنك المركزي: فسلامة القرض لا تُقاس بجمال جرافيك المشروع، ولا بثقل الأسماء الظاهرة في الصورة، بل بجودة وقواعد القرار الائتماني.

وأول هذه القواعد يتعلق بطبيعة المساهمة: كم سيدفع المطور من ماله الحقيقي؟ الأرقام تتحدث عن 69 مليار جنيه رأس مال، لكن السؤال الذي لم يُجب عنه أحد: كم منها نقدي؟ وكم منها عيني قائم على تقييم سعر الأرض؟

فالأرض هنا ليست تفصيلًا… بل جوهر المعادلة. فإذا كانت المساهمة الأساسية هي أرض حصلت عليها الشركة سابقًا، ثم أُعيد تقييمها، فإننا أمام نموذج يحتاج إلى تدقيق مضاعف: هل التقييم تم بشكل مستقل؟ هل يعكس سعر السوق الحقيقي؟ أم يمثل قفزة رقمية ترفع رأس المال على الورق بينما تتحمل البنوك العبء النقدي الفعلي؟

القواعد المصرفية الدولية واضحة في هذا الشأن:
1️⃣ القاعدة الأولى: [الضمانة لا تبرر القرض]، وقيمة الأصل لا تُقاس بما يُكتب في التقرير، بل بما يمكن تحصيله فعليًا عند التنفيذ. أي: إذا أردنا تسييل قيمة الأرض الآن، هل سنجد مشتريًا حقيقيًا يشتريها بالقيمة المسجلة لدى البنك في هذه الصفقة؟

2️⃣ القاعدة الثانية: [تركيز المخاطر] مشاركة بنك واحد بنسبة تقارب الربع ليست مجرد رقم، بل مؤشر يستوجب الفحص. معايير بازل تضع حدودًا صارمة لانكشاف البنوك على عميل واحد أو مجموعة مرتبطة، حمايةً لأموال المودعين. السؤال المشروع: هل إجمالي انكشاف البنك الأهلي على مجموعة طلعت مصطفى، داخل هذا المشروع وخارجه، ما زال في الحدود الآمنة؟

3️⃣ القاعدة الثالثة: [التدفقات النقدية] تصريح نائب رئيس البنك الأهلي بأن المشروع يحتاج إلى عشر سنوات ليبدأ تحقيق العائد يفرض سؤالًا مباشرًا: من يخدم الدين خلال هذه السنوات؟ هل هناك تدفقات تشغيلية كافية؟ أم يعتمد التمويل على توقعات ارتفاع الأسعار وإعادة التمويل لاحقًا؟

4️⃣ القاعدة الرابعة: [إعادة التقييم] تاريخ الاقتصاد المصري شهد حالات عديدة تحولت فيها الأصول منخفضة التكلفة إلى قيم ضخمة عبر إعادة التقييم، لتصبح أساسًا لقروض أكبر. منطق يبدو قانونيًا، لكنه يحمل مخاطر تضخم الأصول وخلق فجوة بين القيمة الحقيقية والقيمة الدفترية.

هنا تحضر واقعة لا تزال محفورة في مضابط البرلمان، باعتبارها نموذجًا كاشفًا للمنهج. استجواب قدمته ضد يوسف بطرس غالي، عندما ساعد عبر نفوذه في أن يحصل والده رؤوف بطرس غالي على قطعة أرض من بنك القاهرة في البحر الأحمر بقيمة تقارب 4 ملايين جنيه، ثم جرى خلال أشهر قليلة إعادة تقييمها عبر مكاتب مثل القرشي وصبور لتصل إلى ما لا يقل عن 80 مليون جنيه، قبل أن تُستخدم هذه القيمة الجديدة في ترتيبات ائتمانية وخصومات على قروض مرتبطة بشركاء.

جوهر الواقعة لم يكن البيع أو الشراء، بل: كيف تتحول الأرقام فجأة؟ وكيف يُفرض هذا التحول على البنوك كحقيقة نهائية؟ وكيف يصبح التقييم أداة لإعادة تشكيل الواقع المالي؟

الدلالة هنا لا تتعلق بالماضي فقط، بل بالحاضر أيضًا. مدرسة ترى أن الأرقام قابلة لإعادة الصياغة، وأن البنوك يمكن دفعها لمجاراة هذه الصياغة، هي مدرسة تفرض علينا اليوم أن نراجع كل رقم، وكل تقييم، وكل مساهمة عينية في أي مشروع ضخم.

ربما ذلك لا يُدين مشروع The Spine تلقائيًا، لكنه يفرض علينا استخدام نفس العدسة: راجعوا الأرض، راجعوا التقييم، راجعوا نسبة التمويل إلى رأس المال الحقيقي، راجعوا التدفقات، راجعوا الانكشافات.

انتبهوا أيها السادة: الاقتصاد المصري أصلًا يعاني من اختلال في هيكل الائتمان. نسبة التمويل الموجه للقطاع الخاص محدودة، بينما تظل القروض الكبيرة مركزة في عدد محدود من الكيانات، ما يجعل أي انكشاف كبير مسألة حساسة للنظام المصرفي كله.

الحديث عن صلابة القطاع المصرفي لا يكفي. قوة النظام ككل لا تعني سلامة كل صفقة داخله. المستشفى قد تكون ناجحة… لكن ذلك لا يعني أن كل عملية جراحية ناجحة.

الدفاع عن الرأسمالية الوطنية لا يكون بالصمت، بل بالرقابة. الاستثمار مطلوب، بل وضروري، لكن بشروط واضحة: شفافية، مساهمة حقيقية، توزيع عادل للمخاطر، وتطبيق صارم للقواعد.

الاقتصاد القوي لا يقوم على المجاملة، ولا على تضخيم الأرقام، ولا على تحميل البنوك ما لا تحتمل. الفرق كبير بين اقتصاد يُبنى على أسس إنتاجية حقيقية، واقتصاد يعتمد على تضخيم القيم والأصول دون أساس متين.

وهنا لا تتعلق المشكلة بالمشروع وحده، بل بمنطق الأولويات. فمشهد التدشين، بحضور الدولة، وفي مقدمته رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، يطرح سؤالًا أكبر من تفاصيل الصفقة: كيف ندشن مشروعًا عقاريًا بتكلفة تقارب 27 مليار دولار، في وقت كان يمكن توجيه هذا الحجم من الاستثمار إلى قلعة صناعية أو تكنولوجية تدعم الإنتاج والتصدير وتخلق قيمة مضافة مستدامة؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى