مقالات وآراء

محمد محمد ابو عجور يكتب: المشروع الإسلامي ليس جماعة ولا حزبًا ولا سلطة

حين ضاقت الفكرة باتساع أدواتها

حين يُذكر “المشروع الإسلامي”، لا يحتاج كثير من الناس إلى وقت طويل للتفكير، فالصورة حاضرة في الذهن مباشرة: جماعة معروفة، أو تنظيم قائم، أو تجربة حكم مرت وانتهت أو ما زالت. هكذا، وبهدوء، تحولت فكرة واسعة، ممتدة، عميقة، إلى صورة ذهنية ضيقة، مرتبطة باسم أو كيان أو تجربة.

ولم يكن هذا التحول فجائيًا، بل جاء نتيجة تراكم طويل من الممارسة والخطاب، حتى أصبح من الطبيعي أن يُفهم المشروع الإسلامي من خلال أدواته، لا من خلال حقيقته. ومع هذا الفهم، بدأت تتشكل إشكالية خفية، لكنها شديدة التأثير، لأن الخطأ هنا ليس في التفاصيل، بل في نقطة البداية نفسها.

المشروع الإسلامي، في أصله، لم يكن يومًا جماعة ولا حزبًا، ولم يُختزل في تجربة حكم أو نظام سياسي بعينه. كان دائمًا أوسع من ذلك، فكرة تنطلق من الوحي، لكنها لا تقف عند حدود النص، بل تمتد لتبني الإنسان، وتعيد تشكيل المجتمع، وتضع أسس العدل، وتفتح أفقًا حضاريًا يتجاوز اللحظة والحدود.

كان مشروعًا يبدأ من الداخل، من الإنسان، من وعيه وإيمانه وسلوكه، ثم يمتد إلى محيطه، إلى مجتمعه، إلى مؤسساته، ثم إلى الدولة، بوصفها إحدى أدواته، لا غايته النهائية. لكن هذه الرؤية الواسعة وجدت نفسها في العصر الحديث أمام واقع مختلف تمامًا؛ واقع يتسم بالتفكك، والضغط، وغياب الكيان الجامع.

في هذا السياق، ظهرت الحركات الإسلامية، لا باعتبارها بديلًا عن المشروع، بل كوسيلة لحمله. كانت محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وبناء ما يمكن بناؤه، في بيئة لا تسمح بالكثير. ولهذا لجأت إلى التنظيم، وإلى بناء الهياكل، وإلى العمل المرحلي، وهو ما كان طبيعيًا ومفهومًا في تلك اللحظة.

غير أن ما لم يكن واضحًا في البداية، هو أن الوسيلة – إذا لم تُضبط – قد تتحول مع الزمن إلى مركز. فالتنظيم الذي وُجد لخدمة الفكرة، بدأ تدريجيًا يُعيد صياغة الفكرة بما يناسبه. والجماعة التي حملت المشروع، أصبحت في نظر كثيرين هي المشروع نفسه. والدولة، التي كانت وسيلة لتحقيق العدل، تحولت عند البعض إلى الهدف الأسمى الذي تُقاس به كل الأمور.

ومع هذا التحول، ضاق الأفق دون أن يشعر أصحابه. لم يعد الحديث عن مشروع أمة، بل عن مشروع جماعة. لم تعد الغاية بناء حضارة، بل تحقيق حضور أو تأثير في ساحة محددة. ولم يعد النجاح يُقاس بمدى اقتراب الأمة من مقاصدها الكبرى، بل بمدى تقدم تنظيم أو ثباته.

وهنا بدأ الخلل يظهر في صور متعددة. فكل جماعة، بطبيعتها، تنظر إلى العالم من خلال تجربتها، وتفسر المشروع وفق فهمها، وتبني خطابها بما يتناسب مع مسارها. وهذا في حد ذاته ليس مشكلة، لأن التنوع في الاجتهاد أمر طبيعي. لكن المشكلة تبدأ حين يغيب الإطار الأوسع الذي يجمع هذه الاجتهادات، ويضعها في سياق واحد.

في غياب هذا الإطار، يصبح من السهل أن يتحول الاختلاف إلى تباعد، ثم إلى تنافس، وربما إلى صراع. لا لأن الأطراف تريد ذلك بالضرورة، بل لأن كل طرف يتحرك داخل حدود رؤيته الخاصة، دون مرجعية أعلى تضبط العلاقة وتعيد توجيه البوصلة.

ومع الوقت، لم يعد المشروع الإسلامي حاضرًا بوصفه فكرة جامعة، بل كواقع متشظٍ، تتجاور فيه كيانات متعددة، لكل منها أولوياته، وحساسياته، ومساراته. ورغم أن الجميع يتحدث عن الإسلام، ويعمل من أجله، فإن النتيجة الكلية تبقى دون المستوى، لأن الجهود لا تلتقي في مسار واحد.

هنا لا يكون الإشكال في وجود الجماعات، ولا في العمل التنظيمي، فهذه أدوات لا غنى عنها، بل يكون الإشكال في موقعها من الفكرة. حين تُفهم الجماعة باعتبارها جزءًا من المشروع، تبقى في مكانها الصحيح، وتظل مفتوحة على غيرها، وتبحث عن التكامل. أما حين تتحول إلى مركز، فإنها – بحكم طبيعتها – ستدافع عن نفسها، وتُعيد تفسير الواقع بما يخدمها، حتى دون وعي.

الفرق بين الحالتين دقيق، لكنه عميق الأثر. في الحالة الأولى، يكون المشروع هو الأصل، والجماعة وسيلة. وفي الحالة الثانية، تصبح الجماعة هي الأصل، ويُعاد تشكيل المشروع حولها. ومن هنا تبدأ رحلة الانكماش، حيث تضيق الفكرة، وتتقلص مساحتها، وتفقد قدرتها على استيعاب الأمة.

ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه لا يُرى بسهولة، لأنه يحدث تدريجيًا، وبحسن نية في كثير من الأحيان. فكل جهة تعتقد أنها تخدم الإسلام، وهذا صحيح من زاوية معينة، لكنها لا ترى دائمًا أن زاويتها ليست هي الصورة الكاملة.

إعادة الأمور إلى نصابها لا تعني هدم ما بُني، ولا التقليل من الجهود، بل تعني إعادة ترتيب العلاقة بين الفكرة وأدواتها. أن يعود المشروع الإسلامي إلى مكانه الطبيعي، بوصفه الإطار الذي يجمع الجميع، لا العنوان الذي يتنازعون عليه. وأن تُفهم الجماعات باعتبارها أدوات متنوعة داخل هذا الإطار، لكل منها دور، لكنها لا تختصر الكل.

حين يحدث ذلك، يتغير كل شيء بهدوء. يصبح الاختلاف أقل حدة، لأن الجميع يتحرك داخل مساحة أوسع. وتصبح العلاقة أكثر توازنًا، لأن كل طرف يدرك أنه ليس وحده. وتعود البوصلة إلى اتجاهها، لأن الغاية لم تعد مرتبطة بكيان، بل بمشروع أكبر من الجميع.

وهنا يمكن صياغة الحقيقة التي يغيب وضوحها في زحمة الواقع:
المشروع الإسلامي لا يُختزل في جماعة، ولا يُحصر في حزب، ولا يُقاس بتجربة حكم… بل هو أفق أمة كاملة

لكن إذا كان الأمر كذلك، فكيف وصلنا إلى هذه اللحظة؟ وكيف تحولت الوسائل إلى مركز، والمشروع إلى أطراف متفرقة؟

ذلك سؤال لا يمكن تجاوزه، وهو ما يستحق أن نعود إليه في المقال القادم.

….
محمد محمد ابو عجور
20/4/2926

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى