
بعيدًا عن صخب العمليات العسكرية والتوترات الأمنية التي تهيمن على المشهد اللبناني، تتكوّن في الخلفية ملامح مشهد سياسي مختلف، أقل ضجيجًا وأكثر تأثيرًا. في لحظة إقليمية تتقاطع فيها الحسابات السعودية والمصرية والتركية، وبموازاة اندفاعة أميركية نحو إعادة ترتيب مسارات التفاوض في المنطقة، بما في ذلك الدفع نحو قنوات مباشرة بين بيروت ودمشق، يبرز في الداخل اللبناني حراك من نوع خاص، يتقدمه ثنائي غير تقليدي: أنطون صحناوي وفؤاد مخزومي.
هذا التلاقي لا يعلن عن نفسه بصيغة تحالف سياسي صريح، ولا يُترجم في بيانات مشتركة أو مواقف موحدة بالمعنى التقليدي. لكنه يظهر في تفاصيل أدق: في تزامن الخطاب، في تقاطع الأولويات، وفي تشابه المقاربات تجاه ملفات حساسة، ما يوحي بوجود حدّ أدنى من التنسيق أو، في أقل تقدير، تقاطع مصالح مدروس بعناية. هو أشبه بتوزيع أدوار غير معلن، حيث يتقدّم كل طرف ضمن مساره الخاص، لكن باتجاه هدف يبدو واحدًا في الأفق.
لا يمكن فصل هذا المسار عن التحولات الإقليمية الجارية. فالتراجع النسبي للنفوذ الإيراني في بعض الساحات، مقابل صعود مقاربات جديدة تقودها واشنطن، يفتح الباب أمام إعادة تشكيل توازنات داخلية في لبنان. وفي هذا السياق، تبدو الأولوية لدى بعض القوى إعادة تثبيت الاستقرار الأمني، خصوصًا على الجبهة الجنوبية، ولو جاء ذلك على حساب ملفات سيادية لطالما شكّلت جوهر الانقسام الداخلي. هنا تحديدًا، يلتقي خطاب صحناوي ومخزومي مع هذه المقاربة، سواء من زاوية الاقتصاد والاستثمار أو من بوابة العلاقات الدولية والانفتاح على الغرب.
في موازاة ذلك، يلفت الانتباه تصاعد دور مجموعات منظمة على وسائل التواصل الاجتماعي، تعمل بإيقاع شبه موحّد: حملات متزامنة، روايات متطابقة، واستهداف دقيق لخصوم محددين. هذا النمط لا يبدو عفويًا بقدر ما يعكس إدارة منهجية للرأي العام، تطرح تساؤلات حول مصادر التمويل والخلفيات، وحول ما إذا كان لبنان يدخل مرحلة جديدة من “الهندسة الإعلامية” التي تتجاوز الإعلام التقليدي إلى فضاءات رقمية أكثر تأثيرًا وأقل ضبطًا.
وليس هذا المشهد غريبًا على بلد لطالما كان مسرحًا لتقاطع أجهزة الاستخبارات الدولية، من مقاهي الحمرا إلى صخرة الروشة، حيث تختلط السياسة بالإعلام، وتتشابك الرسائل العلنية مع الإشارات الخفية. لبنان، بهذا المعنى، لا يزال تلك “الفراشة” التي تنجذب إلى الضوء حتى الاحتراق، في السياسة كما في الإعلام، في الداخل كما في الخارج.
بالعودة إلى ثنائية صحناوي – مخزومي، يطرح السؤال نفسه: هل نحن أمام نواة لتشكيل سياسي جديد في مرحلة ما بعد الحرب؟ أم أمام تقاطع ظرفي مرشح للتفكك عند أول اختبار جدي؟ المؤشرات الحالية توحي بأن هذا التلاقي قد يتعزز مع اقتراب أي استحقاق حكومي، خصوصًا في ظل الحديث المتزايد في الكواليس عن تعديل حكومي محتمل، تفرضه التحولات الإقليمية وضغوط التوازنات الداخلية.
التجربة اللبنانية تشير إلى أن المراحل التي تسبق تشكيل الحكومات غالبًا ما تشهد إعادة تموضع سياسية وإعلامية كثيفة، تسعى من خلالها القوى المختلفة إلى تحسين شروطها التفاوضية، وتثبيت حضورها في بنية السلطة. وفي هذا السياق، قد لا يكون ما نشهده اليوم سوى مقدمة لإعادة رسم ميزان القوى داخل الدولة، حيث تتداخل الأدوار بين السياسة والإعلام، وتتقاطع الحسابات الداخلية مع رهانات الخارج.
من هنا، فإن هذا التلاقي—إن ثبت واستمر—قد يتجاوز كونه مجرد تقاطع ظرفي، ليصبح جزءًا من عملية أوسع لإعادة إنتاج السلطة في لبنان، على إيقاع المتغيرات الإقليمية والدولية. وعندها، لن يكون السؤال فقط عن طبيعة هذا التحالف، بل عن موقعه في الخريطة الجديدة التي يُعاد رسمها للبلد.
وللبحث صلة.





