
بقلم د. أيمن نور
الحكاية الدستورية في مصر ليست وليدة لحظةٍ عابرة، ولا ابنة نص دستور 1923، بل كانت سيرة وطنٍ مع فكرةٍ كبيرة… تُقيَّد فيها السلطة، ويُصان فيها الحق، ويتحول الحكم من مشيئةٍ فردية إلى عقدٍ يربط الجميع.
فمن قرابة قرنٍ ونصف، بدأ الخيط الأول يُنسج… خيطٌ بدا هشًّا في بدايته، لكنه حمل في جوهره حلمًا ومشروع أمة.
اليوم، وفي ذكرى وفاته، يطل اسم محمد شريف باشا كأحد أهم المؤسسين الأوائل لفكرة الدستور في مصر، لا بوصفه رجل إدارة فقط، بل بوصفه عقلًا سياسيًا سابقًا لعصره. فلم يكن لقب “أبو الدستور” مجاملة لفظية، بل خلاصة تجربة تاريخية لرجل أدرك مبكرًا أن الدولة لا تستقيم بلا قواعد، ولا تستقر بلا توازن.
لم تكن صلته بالتاريخ السياسي وحدها ما يلفت الانتباه، بل تمتد أيضًا إلى التاريخ الملكي، إذ كان شريف باشا الجد الأعلى للملكة نازلي، زوجة الملك فؤاد وأم الملك فاروق، لتتداخل في سيرته ملامح الدولة الحديثة مع ملامح العائلة الملكية في صورة تعكس تشابك السياسة والتاريخ الاجتماعي في مصر.
وُلد (منذ ما يقارب 200 عام) تحديدًا عام 1826، في زمنٍ كانت فيه مصر تحت حكم محمد علي باشا، الذي لم يكتفِ ببناء جيشٍ أو تأسيس دولة، بل صنع نخبة تحمل مشروعًا مختلفًا. لم تكن طفولة شريف عادية؛ فقد كان أبوه قاضيًا مرموقًا، وحين مرّ بمصر في طريقه إلى الحجاز، التقى بمحمد علي باشا، الذي لمح في الطفل الصغير ما لفت نظره، فطلب من أبيه أن يتركه في كنفه ليتولى تعليمه ورعايته.
لم يكن ذلك تبنّيًا بالمعنى التقليدي، بل احتضانًا سياسيًا وتربويًا، جعل محمد شريف باشا ينشأ قريبًا من دوائر الحكم، دون أن ينفصل عن جذوره الاجتماعية، فبقيت صلته بالناس حيّة، لا تقطعها أسوار القصور.
نشأ شريف في مدارس النخبة، ثم انتقل إلى البعثات الأوروبية، حيث درس وتدرّب، ولم يكتفِ بالمشاهدة، بل سعى إلى الفهم. كانت رحلته إلى أوروبا انتقالًا من بيئةٍ تُدار بالإرادة، إلى عالمٍ تُنظّمه القواعد، فبدأت تتشكل في ذهنه أسئلة لم تكن مألوفة في زمانه.
عاد إلى مصر لا يحمل إجابات جاهزة، بل أسئلة… أسئلة ثقيلة عن معنى الدولة، وحدود السلطة، وحقوق الناس. أسئلة لم تكن شائعة، لكنها كانت ضرورية لتأسيس زمنٍ جديد.
في عهد الخديوي إسماعيل، بدأت مصر أولى خطواتها النيابية مع تأسيس مجلس شورى النواب عام 1866. لم يكن مجلسًا كامل الصلاحيات، لكنه كان إعلانًا بأن الحكم لم يعد شأنًا مغلقًا على فرد، بل شأنًا عامًا. وكان شريف باشا في قلب هذه اللحظة، ليضع اللبنات الأولى لفكرة التمثيل، ويختبر حدود الممكن.
بلغت التجربة ذروتها مع اللائحة الأساسية للحياة النيابية عام 1881، تلك الوثيقة التي يمكن قراءتها كجنين دستور، لا كدستور مكتمل. لكنها، رغم نقصها، حملت جرأة الفكرة… فكرة أن تُنظَّم السلطة، لا أن تُترك لعشوائيتها.
لم يكن العالم قد استقر بعد على نموذج الدساتير الحديثة، ولم تكن الفكرة قد اكتملت حتى في مراكزها الأوروبية، ومع ذلك كانت مصر تحاول… تتعثر، ثم تعود، وتعيد المحاولة. تلك المحاولات هي التي تصنع التاريخ، لا النتائج النهائية.
تكشف هذه البدايات أن الدستور في مصر لم يكن منحة، بل ثمرة صراعٍ فكري وسياسي طويل. لم يولد فجأة مع دستور 1923 كما يظن البعض، بل جاء كتتويج لمسار بدأ مع محمد شريف باشا، ومرّ بمحطات متعددة حتى نضج نسبيًا.
تمتد الخيوط من شريف باشا إلى عبد العزيز فهمي، ومنهما إلى كل من انشغل بالهم الدستوري بعدهما. ليست مجرد أسماء، بل حلقات في سلسلة واحدة… سلسلة تتقدم أحيانًا، وتتراجع أحيانًا، لكنها لا تنقطع.
لم تكن القضية يومًا نصوصًا جامدة، بل وعيًا حيًا… وعيًا بأن السلطة تحتاج إلى قيد، وأن الحرية تحتاج إلى ضمان. ذلك الوعي هو الذي جعل المصريين يرفعون شعار “الاستقلال والدستور”، كأنهم يكتبون تتمة طبيعية لما بدأه شريف باشا قبل عقود.
تكشف المقارنة بين تلك اللحظة البعيدة والواقع الراهن مفارقة موجعة… بدايات متواضعة في أدواتها، لكنها واضحة في أهدافها، وحاضرٌ متخم بالأدوات، لكنه مرتبك في اتجاهاته.
افتقرت مصر في القرن التاسع عشر إلى مؤسسات مكتملة، لكنها امتلكت إرادة التأسيس. تبدو المؤسسات اليوم قائمة في الشكل، لكنها تعاني في الجوهر من غياب الدور، واهتزاز الوظيفة.
سعى شريف باشا إلى إدخال فكرة القيد على السلطة في زمنٍ لم يكن يعرف القيد، بينما نعيش زمنًا يُفترض فيه أن يكون القيد أصلًا، فإذا به يتحول إلى استثناء.
لم يكن الرجل معصومًا من الخطأ، ولم تكن تجربته بلا تعثر، لكنه كان يسير في اتجاه واضح… اتجاه بناء دولة القانون. تلك البوصلة هي ما نفتقده حين تختلط النصوص بالممارسات، وتفقد الوثائق معناها.
يظل لافتًا أن مصر، في ذلك الزمن المبكر، امتلكت شجاعة كتابة وثيقة تنظّم حياتها السياسية، في وقتٍ لم تكن فيه فكرة الدستور قد استقرت عالميًا بالصورة التي نعرفها. لم تكن الشجاعة في الكمال، بل في المحاولة.
تتكامل الحكاية بين شريف باشا، وعبد العزيز فهمي، وكل من حمل هذا الهم بعدهما… حكاية دستورٍ لم يكن نصًا فقط، بل صراعًا دائمًا بين إرادةٍ تبحث عن الحرية، وسلطةٍ تميل بطبيعتها إلى الاتساع.
تكشف هذه السيرة أن الأزمة ليست في قلة النصوص، بل في انقطاع السلسلة… في غياب التراكم الذي يحول الفكرة إلى تقليد، والتجربة إلى مؤسسة.
يظل السؤال مفتوحًا… كيف سبقنا أنفسنا قديمًا، ثم تركناها تتقدم علينا؟ الإجابة لا تسكن في الماضي وحده، بل في قدرتنا على أن نقرأه جيدًا… لا لنبكيه، بل لنستعيد منه ما يجعل للمستقبل معنى.







