مقالات وآراء

إسلام الغمري يكتب: هل نُحسن اختيار معاركنا؟ بوصلة الوعي وفقه الأولويات في زمن الأزمات

تمرّ الأمة الإسلامية بمنعطفات تاريخية شديدة التعقيد، تتداخل فيها المسارات، وتتشابك فيها الجبهات، حتى يصبح التمييز بين الصراع الصحيح والصراع المُشتّت اختبارًا حقيقيًا للوعي. وفي ظل التصعيد الأخير المرتبط بحرب غزة، وما تبعه من توتر متزايد بين إيران من جهة، والتحالف الأمريكي–الإسرائيلي من جهة أخرى، يتجدد الجدل حول الموقف الأجدر بالاتّباع، بعيدًا عن الانفعال، وأقرب إلى منطق الأولويات.

ميزان العقل لا الحماس

في مثل هذه اللحظات، لا يكفي الحماس وحده، بل تبرز الحاجة إلى ميزان دقيق يجمع بين الشرع والعقل والمصلحة، ويُعيد ترتيب الأولويات دون أن يُلغي المبادئ. فالأمم لا تُهزم فقط عندما تُغلب عسكريًا، بل عندما تختلط عليها بوصلة إدراكها، فتخوض معارك لا تخدم قضيتها، أو تختار توقيتًا يُضعف موقفها.

القاعدة الأساسية التي ينبغي الانطلاق منها هي أن المواقف لا تُبنى على أسماء الأطراف، بل على طبيعة المعركة وسياقها ومآلاتها. فإذا كانت أي قوة—إقليمية أو دولية—تخوض صراعًا داخل ساحات عربية أو إسلامية على حساب شعوبها وسيادتها، فإن رفض هذا السلوك ومواجهته يظل موقفًا مبدئيًا لا خلاف عليه، انطلاقًا من حرمة الدم، وحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيدًا عن صراعات النفوذ.

إن الألم في دمشق وصنعاء وبغداد حقيقي وعميق، والجراح التي خلفتها التدخلات الإقليمية لا يمكن محوها بجرة قلم. ولكن العقل الاستراتيجي يقتضي ألا نُمكّن الاحتلال من استغلال هذا الألم لضرب الأمة ببعضها في لحظة المواجهة الكبرى مع المشروع الصهيوني.

تغير طبيعة الصراع والعدو المشترك

لكن المشهد يتبدل عندما تتغير طبيعة الصراع ذاته. فنحن أمام لحظة تتجه فيها المواجهة نحو طرف يُجمع كثيرون على اعتباره خصمًا مركزيًا في المنطقة، في ظل استمرار حرب مدمّرة في غزة، خلّفت عشرات الآلاف من الضحايا، ووضعت القضية الفلسطينية مجددًا في قلب التوازنات الإقليمية والدولية. هنا، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل من الحكمة نقل معاركنا الجانبية إلى هذه اللحظة، أم إعادة ترتيب الأولويات وفق طبيعة التهديد القائم؟

لفهم المشهد بعمق، من المهم تفكيك الدوافع بعيدًا عن التبسيط. فالتاريخ القريب يُظهر أن قرارات القوى الكبرى لا تُبنى غالبًا على اعتبارات أخلاقية بحتة، بل على حسابات النفوذ والأمن والمصالح. لذلك، فإن قراءة أي تصعيد يجب أن تتم ضمن هذا الإطار؛ فواشنطن وتل أبيب لا تتحركان اليوم انتصاراً للدماء السورية أو العراقية، بل تتداخل اعتباراتهما العسكرية والسياسية لضرب قوة إقليمية باتت تشاغل جبهات الإسناد وتشكل تهديداً لأمن إسرائيل.

فقه الأولويات.. التطبيق العملي

من هنا، تبدو فكرة توظيف هذا الصراع لتصفية حسابات إقليمية سابقة خيارًا يحتاج إلى مراجعة دقيقة. ليس لأن الخلافات قد انتهت، بل لأن توقيت إدارتها يظل عاملًا حاسمًا في تحديد نتائجها. فالسياسة ليست فقط موقفًا أخلاقيًا، بل أيضًا إدارة ذكية للزمن والسياق.

وهنا يبرز مفهوم “فقه الأولويات” بوصفه أداة تحليلية ضرورية، لا تعني التنازل عن الحقوق، ولا التغاضي عن الخلافات، بل تعني ترتيبها وفق خطورتها وتأثيرها. وعملياً، فإن “تأجيل المعركة” لا يعني نسيانها، بل يعني تجميد الصراعات البينية، ووقف التراشق الإعلامي والسياسي الذي يخدم تل أبيب حصراً، وتوجيه الجهد والوعي الجمعي بالكامل نحو عزل الاحتلال ودعم المقاومة، ريثما تنجلي غمة الإبادة. فليس كل صراع يُدار في الوقت نفسه، خصوصًا عندما تكون هناك قضية مركزية تستنزف قدرات الأمة وتستدعي تركيزها.

الحذر من الانخداع والمكاسب الإقليمية

ومع ذلك، فإن إعادة توجيه البوصلة نحو الخطر الأكبر لا يعني بالضرورة تبنّي مواقف الآخرين أو الوثوق الكامل في أهدافهم. فالوعي يتطلب إدراك أن بعض القوى الإقليمية قد تستثمر دماء غزة كرافعة لتحسين شروط تفاوضها الدولي أو لترسيخ نفوذها. لذا، فإن ما يجري يجب أن يُقرأ كـ “تقاطع مؤقت” تفرضه اللحظة، دون أن يتحول إلى انخداع بالشعارات أو اصطفاف استراتيجي طويل الأمد. هذه المسافة النقدية ضرورية للحفاظ على وضوح الرؤية وعدم الوقوع في استبدال انحياز بانحياز آخر.

خاتمة: التوقيت هو القوة

إن إدارة الصراعات في عالم اليوم لم تعد قائمة على ثنائية صديق وعدو بشكل جامد، بل على شبكة معقدة من المصالح المتداخلة. الانجرار وراء ردود الفعل السريعة قد يحقق إشباعًا نفسيًا مؤقتًا، لكنه قد يخدم، دون قصد، أطرافًا تسعى إلى تفكيك الأولويات وتشتيت الانتباه عن القضايا الأكثر إلحاحًا. وهنا تكمن خطورة “المعركة الخطأ في التوقيت الخطأ”.

في المحصلة، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن طرف أو مهاجمة آخر، بقدر ما يتعلق بمحاولة قراءة المشهد بميزان أدق، يُدرك أن ترتيب الأولويات ليس ضعفًا، بل شكل من أشكال القوة. فالقضية ليست من نختلف معه، بل متى نختلف، وكيف، وفي أي سياق.

وفي النهاية، يظل السؤال مفتوحًا: هل المشكلة في مواقفنا… أم في توقيت إعلانها؟

فالتاريخ لا يسجّل فقط من كان على حق، بل من أدرك متى يُقدّم هذا الحق، وكيف يُحسن توجيهه.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى