مقالات وآراء

شادي طلعت يكتب: الخليج على فوهة البركان..هل تقترب إيران من معركة النفط الكبرى؟


لم يعد الخليج العربي مجرد مساحة جغرافية تعج بالنفط والغاز، بل بات ساحة مفتوحة لتقاطعات التاريخ والجغرافيا والسياسة الدولية.

وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية، يثور سؤال بالغ الخطورة : هل باتت دول الخليج العربية على مقربة من مواجهة مباشرة مع إيران، تتجاوز حدود المناوشات السياسية إلى صراع على النفوذ والثروة ..
إن قراءة المشهد تقتضي التمييز بين (الاجتياح العسكري المباشر) و(التمدد الاستراتيجي غير المباشر).
فإيران لا تتحرك دائماً بمنطق الجيوش التي تعبر الحدود، بل بمنطق النفوذ المركب، ضغط سياسي، أوراق أمنية، تأثير على الملاحة، وتهديد لممرات الطاقة العالمية.

إن حدود التوسع الإيراني لا تقف عند حدود اليابسة، بل تمتد إلى مفهوم أوسع هو العمق الاستراتيجي.
إذ تسعى طهران إلى ترسيخ حضورها في الخليج عبر عدة مسارات :

  • التأثير على أمن مضيق هرمز.
  • فرض معادلات ردع إقليمية.
  • توسيع دائرة النفوذ السياسي.
  • امتلاك القدرة على تهديد صادرات الطاقة.

ومن هنا، فإن الخطر لا يكمن فقط في السيطرة على أرض، بل في القدرة على فرض الإرادة، وعلى القرار الاقتصادي العالمي.

وتعتمد هذه النظرية على ثلاثة أعمدة رئيسية :

أولاً/ الأساس التاريخي.
تستحضر بعض دوائر صنع القرار في إيران ذاكرة النفوذ الفارسي القديم، وخاصة فيما يتعلق بـ (البحرين) وبعض الجزر الخليجية.

ثانياً/ الأساس الجغرافي.
يمنح الموقع الإيراني المقابل لمضيق هرمز قدرة استثنائية على التأثير في حركة النفط والغاز.

ثالثاً/ الأساس الأمني.
ترى طهران أن الوجود الأمريكي في الخليج يمثل تهديداً مباشراً، ومن ثم تعتبر التوسع الإقليمي وسيلة دفاع وردع.

وفي تقديري، لن تتخلى الولايات المتحدة الأمريكية عن دول الخليج العربية بصورة كاملة، فدول الخليج العربية تمثل التالي :

  • مركز الطاقة العالمي.
  • عقدة الملاحة البحرية.
  • شبكة قواعد عسكرية حيوية.

ولكن .. من الوارد أن تعيد (واشنطن) صياغة دورها، بحيث تنتقل من الحضور المباشر إلى إدارة الصراع من الخلف، مع تحميل دول الخليج جزءاً أكبر من كلفة أمنها.

ورؤيتي أن الصراع الأساسي ليس مع الشعوب العربية، بل مع أنظمة الحكم العربية الخليجية.

فإيران تدرك أن الشعوب ليست هي الخصم المباشر، بينما ترى في (الأنظمة الخليجية الحاكمة) الخطر الأكبر للأسباب التالية :
1- لأنها حليف استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية.
2- لأنها امتداد للنفوذ الغربي.
3- لأنها أنظمة تنافسها على قيادة الإقليم.

ومن هنا وجِدَ التنافر بين طهران وتلك الأنظمة، فالخلاف ليس فقط سياسياً، بل يتعلق أيضاً بتباين عميق في فلسفة الحكم، وبنية الدولة، والتحالفات الدولية، والرؤية الإقليمية.

وفي تقديري، أن الاستيلاء الإيراني العسكري المباشر على الحقول النفطية الخليجية أمر بالغ الصعوبة، بسبب الوجود الأمريكي، والردع الدولي، وكذلك القدرات العسكرية الخليجية.

لكن .. السيناريو الأخطر هو السيطرة الاقتصادية دون احتلال الأرض من خلال التالي :
1- تعطيل الملاحة : فإذا تم تعطيل مضيق هرمز، تصبح صادرات النفط والغاز رهينة الصراع.
2- استهداف المنشآت : فمحطات التكرير والموانئ وخطوط الأنابيب قد تتحول إلى أهداف.
3- شل الأسواق : فمجرد التلويح بالتهديد قادر على رفع الأسعار وإرباك الاقتصاد العالمي.

وبذلك لا تحتاج إيران إلى رفع علمها فوق بئر نفط، بل يكفي أن تجعل النفط غير قادر على الوصول إلى العالم.

وهذا السيناريو سيكون حتماً في صالح إسرائيل إلى حد كبير.
فكلما تصاعد الصراع بين إيران ودول الخليج العربية، ازدادت فرص إسرائيل في توسيع التعاون الأمني، وترسيخ شراكات دفاعية، وتعزيز حضورها الإقليمي.
فالصراع يفتح المجال لإعادة تشكيل التحالفات في المنطقة.

في النهاية :
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اجتياح عسكري مباشر، بل في اجتياح النفوذ والسيطرة على شريان الطاقة العالمي.
المعركة المقبلة، إن وقعت، لن تكون فقط على الأرض، بل في البحر، وفي الممرات، وفي الأسواق.
فمن يملك القدرة على التحكم في خروج النفط والغاز، يملك جزءاً من القرار العالمي.

ويبقى السؤال الأخطر :
هل يستطيع الخليج حماية ثروته، أم أن الصراع القادم سيكون صراعاً على مفاتيح الطاقة قبل أن يكون صراعاً على الحدود .. وعلى الله قصد السبيل

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى