السيادة الغذائية في خطر اعتماد متزايد على الاستيراد وارتفاع الأسعار محليا

تتصدر قضايا السيادة الغذائية واجهة المشهد الاقتصادي المحلي في ظل تزايد الاعتماد على استيراد السلع الاستراتيجية من الخارج ، حيث تظهر أزمة توفير المكونات الأساسية للوجبات الشعبية العجز الواضح في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب والبقوليات ، وتكشف البيانات الرسمية أن القمح والزيوت والعدس يتم جلبها من أسواق روسيا وأوكرانيا والأرجنتين وكندا وتركيا ، وهو ما يجعل المائدة المحلية رهينة للتقلبات السعرية في البورصات العالمية وللنزاعات الدولية التي تؤثر بشكل مباشر على تكلفة المعيشة اليومية للمواطن ،
تتجلى أبعاد السيادة الغذائية في فقدان السيطرة على إنتاج الاحتياجات الضرورية محليا والتوجه نحو زراعة المحاصيل التصديرية مثل الفراولة والبرتقال على حساب المحاصيل الأساسية ، ويرى محللون أن الاعتماد المفرط على الاستيراد أدى إلى تضاعف أسعار الوجبات الشعبية بنسبة تصل إلى 200% حيث قفز سعر العبوة من 20 جنيها إلى 60 جنيها مع تراجع ملحوظ في الكمية والجودة ، وتعكس هذه الأرقام هشاشة السياسات التي تركز على مفهوم الأمن الغذائي عبر الشراء من الخارج بدلا من بناء قاعدة زراعية وطنية تحقق الاستقلالية الكاملة ،
صراعات المفاهيم بين توفير الغذاء وحق الشعوب في تحديد نظمها
تستوجب الضرورة التفرقة بين الأمن الغذائي الذي يعني مجرد توفير الطعام بأي وسيلة وبين السيادة الغذائية التي تضمن حق الشعوب في إنتاج غذائها بأساليب مستدامة ، ويوضح الواقع الحالي أن التركيز على الاستيراد أدى إلى تشوهات في تركيبة الوجبات حيث زادت نسبة المكرونة والنشويات على حساب البروتينات النباتية مثل العدس والحمص نظرا لارتفاع تكاليف استيرادها ، ويشير هذا التحول إلى أزمة عميقة في إدارة الموارد الزراعية التي فشلت في ملاحقة الزيادة السكانية وتوفير البدائل المحلية بأسعار تتناسب مع مستويات الدخول المنخفضة ،
تؤكد الحقائق التاريخية أن أصل الوجبة يعود للهند وفق وصف ابن بطوطة لكنها اكتسبت هويتها المحلية عبر عقود من التطوير والإضافات التي جعلتها طبقا وطنيا بامتياز ، وتكمن المشكلة الراهنة في تحول هذا الرمز الثقافي إلى مؤشر اقتصادي يكشف مواطن الضعف في السياسات الزراعية التي أهملت زراعة البقوليات والحبوب الاستراتيجية ، إن بقاء البصل وحده كمنتج محلي يزرع في حقول الدلتا والصعيد لا يكفي لتحقيق السيادة الغذائية المنشودة في ظل استيراد باقي العناصر من كافة قارات العالم بتكلفة ترهق الموازنة العامة ،
تفرض التحديات الراهنة مراجعة شاملة لمنظومة الإنتاج الزراعي لضمان حماية الطبقات الشعبية من التضخم العالمي الذي يلتهم قيمة العملة الوطنية باستمرار ، وتظهر المؤشرات أن غياب الرؤية المتكاملة لتحقيق السيادة الغذائية جعل الوجبة الأكثر انتشارا عرضة للاختفاء أو التشويه في مكوناتها الأساسية نتيجة ارتهانها بالدولار ، ويعد التحول من دولة تزرع قمحها وبقولها إلى دولة تستوردها هندسة اقتصادية خاطئة تسببت في جعل غذاء الفقراء رهينة لتقلبات الحروب والأسواق الخارجية التي لا ترحم مستويات الفقر المتزايدة داخل المجتمع المحلي ،







