
من الطبيعي ان تركز الادبيات السياسية والاعلامية الايرانية على متغيرات قوة ايران بل وتضخيمها ، ومن الطبيعي بالمقابل ان يركز خصومها على نقاط ضعف ايران وتضخيمها وتغييب متغيرات قوتها، لكن الضرورة الاكاديمية تفترض مراعاة عدد من الشروط لقياس قوة الدولة وضعفها:
1- عرض كل متغيرات القوة والضعف التي يمكن للرصد العقلي استحضارها.
2- تحديد اوزان كل متغير استنادا لمعيار واضح
3- ادراك ان الاوزان قد تتغير بتغير بيئة الموقف(حرب، سلام، لاحرب ولا سلام..الخ)
4- المقابلة بين متغيرات طرفي العلاقة، فمتغيرات القوة الايرانية هي نقاط ضعف للطرف الآخر ،بينما نقاط قوة الطرف الاخر هي نقاط ضعف لايران.
5- في ظل الترابط الدولي ضمن نموذج شبكة العنكبوت(Cob Web) لم يعد من الممكن اعتماد المنهج التجزيئي الضيق(Reductionism) والقائم على اختصار الظاهرة في متغير واحد او عدد محدود من المتغيرات ثم بناء التحليل على اساسها، وأصبح من الضروري ( في ظل شبكة العنكبوت ) الانتقال الى المنهج الكلاني(Holism) القائم على اساس ان الكل اكبر من مجموع اجزائه.
6- قياس التاثير المتبادل بين متغيرات الظاهرة لتحديد المتغير الاكثر ” تأثيرا ” في المتغيرات الاخرى، والمتغير الأكثر “تأثرا” بغيره ، وهو ما يساعد على تحديد محركات القوى والضعف الرئيسية(Drivers )،وهي التي يجب ان ينصب التحليل عليها.
7- نماذج لمؤشرات ذات دلالة: لو اردنا قياس بعض المؤشرات الهامة لايران، ماذا نجد :
الاستقرار السياسي – 1.58 الترتيب العالمي 176
الانفاق على البحث العلمي من اجمالي الناتج المحلي: 0.77 ، الترتيب العالمي 54
القوة العسكرية (النارية) )GFP –(0.3199 ) ، الترتيب الدولي 16
العولمة 51.9 ترتيبها 125- عولمة اقتصادية 31،الاجتماعية 56.7-العولمة السياسية 68.6
الدخل الفردي(المعادل الشرائي) ترتيبها 98 بمعدل 20.3(الف دولار)
بالطبع هناك عشرات المتغيرات الاخرى التي لا بد من قياسها لتقييم قدرات الدولة، ولا بد من التمييز بين وزن المتغيرات على المستوى المحلي والاقليمي والدولي والتفاعل بينها.
فلو قارنا ايران مع اسرائيل، فان اسرائيل متقدمة على ايران في اغلب المؤشرات، ولكن هناك مؤشرات لصالح ايران مثل:
-المساحة – تعادل مساحة ايران اكثر من 60 ضعفا لمساحة اسرائيل( بحساب الضفة الغربية وغزة) وهو ما يمنح ايران عمقا استراتيجيا كبيرا، بينما يصل العمق الاستراتيجي في اسرائيل في بعض المناطق الى أقل من 15 كيلو، ومعلوم ان العمق الاستراتيجي هو المساحة الفاصلة بين خطوط القتال وبين مراكز التكدس السكاني والصناعي في الدولة.(يكفي النظر للمسافة بين جنوب لبنان والمدن الاسرائيلية او بين شمال الضفة الغربية ومناطق الكثافة السكانية في اسرائيل او بين حدود غزة وشريط المستوطنات في جنوب فلسطين. …الخ).
-عدد السكان: حوالي تسعة اضعاف اسرائيل
-القيمة الجيواستراتيجية(ايران تربط بين آسيا الوسطى والخليج والقفقاس وأوراسيا) وتسيطر على اهم مضيق لتجارة الطاقة، وليس هناك جدل حول وجودها ،بينما اسرائيل قوتها في ارتباطها الخارجي وتطورها التقني العسكري والمدني لكنها موضع ” هواجس اقليمية من وجودها لا من سياساتها فقط”…الخ. من الفروق التي لا يتسع المقام لتفاصيلها.
كما ان درجة استقلال القرار السياسي الايراني في الفضاء الدولي هي أعلى من درجة استقلال القرار السياسي الاسرائيلي، فتاثير روسيا والصين على ايران اقل كثيرا من التأثير الامريكي على اسرائيل بخاصة في الموضوعات الاستراتيجية لا الموضوعات العابرة.
الخلاصة:
اردت هنا فقط ان انبه الى أن طغيان “تصور الشارع ” على تصور “مراكز الدراسات المتخصصة وخبراء الميدان” يؤثر على القرار السياسي وعلى الاستقرار السياسي ،وقد يقود الى كوارث، لاسيما اذا اضحى الشارع ضحية اعلام غرائزي او مرتزق او اعلام تضليلي تتوارى خلفه طوابير ” العسس “.
كما ان رهن التحليل وبناء رؤية استراتيجية لصراع تاريخي على اساس “احادية العلة” هو امر يطغى حاليا على اغلب التحليلات، فإذا ترافق هذا مع وجود رئيس “اهوج” كترامب، ازداد الامر تعقيدا وقتامة…ربما.







