مقالات وآراء

بكير أتاجان يكتب: تحالف المستحيل بين أنقرة وتل أبيب: حدود الواقعية حين تصطدم بالجغرافيا السياسية

في لحظة إقليمية تتقدم فيها المصالح على الشعارات، يعود إلى الواجهة طرحٌ كان يُصنَّف طويلاً ضمن “الخيال السياسي”: إمكانية تقارب — أو حتى تنسيق استراتيجي — بين أنقرة وتل أبيب.

وقد برز هذا الطرح بوضوح خلال منتدى منتدى أنطاليا الدبلوماسي، حيث اعتبر السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم باراك، أن تخفيف التوتر بين الطرفين — وربما تقاربهما — قد يشكّل مدخلاً لاستقرار إقليمي أوسع.

لكن هذه الرؤية، رغم وجاهتها الظاهرية، تصطدم بواقع أكثر صلابة:
العلاقة بين الطرفين ليست أزمة عابرة، بل تناقض بنيوي عميق.

أولاً: صراع بنيوي متعدد المستويات

الخلاف بين تركيا وإسرائيل لا يُختزل في توتر سياسي، بل يتجذر في أربعة مستويات متداخلة:

أمنياً:
تتحرك تركيا كقوة إقليمية ذات عمق جيوسياسي ممتد، فيما تنظر إسرائيل لأي تمدد منافس باعتباره تهديداً استراتيجياً ينبغي احتواؤه.

ميدانياً (سوريا):
تداخل عملياتي غير مباشر، تعمل فيه كل دولة ضمن هندسة أمنية تتعارض مع الأخرى، خاصة في الشمال السوري.

سياسياً (غزة):
ملف يصعب احتواؤه براغماتياً، لارتباطه بالشرعية والخطاب والتموضع الإقليمي للطرفين.

استراتيجياً (شرق المتوسط):
صراع على الطاقة والنفوذ البحري وترسيم الحدود، وهو ملف أقرب إلى “لعبة صفرية” منه إلى مساحة تسويات.

ثانياً: صراع الإدراك.. حين تصبح الخرائط الذهنية ساحة مواجهة

ما أشار إليه باراك حول “الخرائط الذهنية” يكشف بعداً حاسماً: الصراع لا يجري فقط على الأرض، بل في الوعي السياسي والإعلامي.

في تل أبيب، تُصوَّر تركيا كقوة ذات نزعة توسعية.
وفي أنقرة، تُقدَّم إسرائيل كفاعل يسعى لتطويق النفوذ الإقليمي.

هذه السرديات لا تخلق الصراع، لكنها تُضخّمه وتُعيد إنتاجه، ما يجعل أي تقارب مكلفاً داخلياً قبل أن يكون معقداً خارجياً.

ثالثاً: المقاربة الأمريكية.. إدارة التناقض لا إنهاؤه

الطرح الأمريكي لا يستهدف بناء تحالف بقدر ما يسعى إلى:

  • منع تحول التنافس إلى صدام مفتوح.
  • احتواء الخلاف ضمن قنوات يمكن التحكم بها.
  • الحفاظ على توازن إقليمي يمنع الانفجار.

وبعبارة أدق:
واشنطن لا تبحث عن شراكة تركية – إسرائيلية، بل عن إدارة مستقرة للتناقض بينهما.

الإجابات الاستراتيجية الحاسمة

هل يمكن تجاوز التوتر؟
لا، إلا في حدوده التكتيكية.

هل يمكن تحويله إلى شراكة؟
لا عملياً، فقط تنسيق محدود ومؤقت.

هل نحن أمام إعادة تشكيل للتحالفات؟
نعم، لكن ليس عبر محور تركي – إسرائيلي.

هل الطرح الأمريكي واقعي؟
واقعي في الاحتواء، غير واقعي في التحالف.

هل سوريا وغزة عائق؟
نعم، وهما العائق الأكثر صلابة.

هل يمكن دمج تركيا في منظومة أمنية مشتركة؟
نظرياً ممكن، عملياً شديد التعقيد.

من المستفيد من التوتر؟
كل من يفضل توازن الضعف على تماسك القوى الإقليمية.

كيف تتأثر إيران؟

  • التقارب: تهديد.
  • التوتر: فرصة.

هل الإعلام يضخم الصراع؟
نعم، لكنه لا يصنعه.

هل شرق المتوسط مفتاح الحل؟
لا، بل عقدة الصراع.

الخلاصة الاستراتيجية

الحديث عن تحالف تركي – إسرائيلي يتجاهل حقائق صلبة:

  • تنافس جيوسياسي عميق.
  • تعارض أمني مستمر.
  • اختلاف سياسي وأيديولوجي واضح.
  • ساحات صراع نشطة وغير قابلة للتجميد.

لذلك، المعادلة الواقعية ليست:
تحالف أو قطيعة

بل:
تنافس مُدار ضمن سقف محسوب.

أما الرهان على شراكة استراتيجية، فهو تصور نظري يصطدم ببنية الصراع ذاتها.

الخلاصة

لا يمكن تحويل التناقض البنيوي إلى تحالف دائم… لكن يمكن احتواؤه لمنع الانفجار.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى