
تمسك إيران بأوراق تبدو أقوى بكثير من تلك التي يمسك بها ترامب، المحاصر بين مطرقة داخل أميركي يعارض حرباً عدوانية استدرجه إليها نتنياهو، وسندان خارج دولي يجسده نظام اقتصادي عالمي مختل.
حين قررت الولايات المتحدة الأميركية، القوة العسكرية الأعظم في العالم المعاصر، مشاركة الكيان الصهيوني، الذي يمتلك آلة حرب فتاكة تسعى للتوسع الدائم والسيطرة على كل ما حولها، في شن الحرب على إيران، الدولة الشرق أوسطية الواقعة تحت ضغط عقوبات قاسية، بدا واضحاً أن المنطقة برمتها تتدحرج نحو حرب غير متكافئة، تصور كثيرون أنها ستحسم بسرعة وستنتهي حتماً بهزيمة إيرانية ساحقة، وهو ما لم يحدث.
ولأن ذلك لم يحدث، حيث طالت الحرب أكثر مما كان مقدراً لها من دون أن ترفع إيران “الراية البيضاء” ومن دون أن تتمكن الولايات المتحدة و”إسرائيل” من تحقيق أي من أهدافهما، بدأ كثيرون يتساءلون عن أسباب الصمود الإيراني، من ناحية، والفشل الأميركي والإسرائيلي، من ناحية أخرى، وما قد يفضيان إليه من نتائج وانعكاسات على موازين القوى الإقليمية والعالمية.
قليلة هي الكتابات أو الدراسات العربية التي تحرّت الحياد والموضوعية عند تناولها أموراً تتعلق بالشأن الإيراني. ولأن لدى معظم الكتاب والباحثين العرب مواقف سياسية أو أيديولوجية مسبقة تجاه النظام الإيراني بصفة عامة وتجاه “ولاية الفقيه” بصفة خاصة، فغالباً ما تأتي كتاباتهم متأثرة بهذه المواقف المنحازة أو المعادية، ما يفسر ندرة الكتابات العربية الموضوعية حول كل ما يتصل بالشأن الإيراني، سواء تعلق الأمر بالسياسات الداخلية أم الخارجية. فإيران، بالنسبة للبعض، هي عدو طائفي لدود، تسبب في خراب دول عربية عديدة، وارتكب مجازر كثيرة في حق شعوبها، خصوصاً في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها، ويتظاهر بدعم القضية الفلسطينية والوقوف في وجه المخططات الصهيونية بينما يمارس على الأرض سياسات تصب لصالح الكيان وتساعده على تنفيذ مخططاته.
أما بالنسبة للبعض الآخر، فإيران هي القائد الفعلي لمحور المقاومة، الذي لولاه لكان الكيان الصهيوني قد تمكن من تصفية القضية الفلسطينية نهائياً، ومن بناء دولة كبرى تمتد من النيل إلى الفرات وتهيمن على المنطقة برمتها.
غير أن هذا النوع من الكتابات لا يساعد على تفسير ما يجري الآن في المنطقة، خصوصاً ما يتعلق منه بمسألتين أساسيتين، الأولى: كيف ولماذا تحول الصراع بين إيران، من ناحية، والولايات المتحدة و”إسرائيل” من ناحية أخرى إلى صدام مسلح، والثانية: كيف أدارت إيران هذا الصراع، خصوصاً بعد أن تحول إلى صدام مسلح، والنتائج المتوقعة لهذا الصدام.
للإجابة عن هذه التساؤلات، يتعين أن نأخذ في الاعتبار طبيعة المخاوف التي سيطرت على النظام الإيراني الجديد عقب نجاح الثورة الإسلامية وفرار الشاه خارج البلاد. ولأن الشاه كان الحليف الأوثق لكل من الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وكانت هناك خشية من أن يتعاونا معاً لإعادته إلى سدة الحكم وإجهاض الثورة الإسلامية،بنفس الطريقة التي تم بها إجهاض ثورة مصدق في بداية خمسينيات القرن الماضي، فقد كان من الطبيعي أن يتعامل معهما النظام الإيراني الجديد باعتبارهما يشكلان الخطر الأكبر على الثورة الإيرانية.
لذا يمكن القول أن العداء بين النظام الإيراني الحالي، من ناحية، وبين كل من الولايات المتحدة و”إسرائيل”، من ناحية أخرى، كان متبادلاً، وهو عداء بدأ منذ اللحظات الأولى لانطلاق ثم نجاح الثورة الإسلامية في إيران وما زال مستمرا حتى الآن، ثم راح يتخذ مساراً متصاعداً بمرور الوقت، وذلك عبر أشكال ومظاهر مختلفة ومتباينة، إلى أن وصل إلى صيغته الحالية، التي تجسدها حرب أميركية إسرائيلية مشتركة تستهدف الإطاحة نهائياً بهذا النظام والسعي لاستبداله بنظام آخر قابل للدوران في فلك السياسات الأميركية والإسرائيلية تجاه المنطقة.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الارتباط بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” في عدائهما المشترك للنظام الإيراني لا يعني بالضروة تطابق سياساتهما تجاه هذا النظام، رغم الحرص على التنسيق المشترك بينهما في معظم المراحل والمواقف.
فعداء النظام الإيراني للولايات المتحدة جسده قرار اجتياح السفارة الأميركية في طهران بعد أسابيع قليلة من نجاح الثورة الإسلامية، واحتجاز العاملين فيها رهائن لمدة 444 يوماً، ردت عليه الولايات المتحدة بمحاولة فاشلة لتحرير الرهائن بالقوة، ثم راح الصراع بين البلدين يُدار بوسائل متباينة إلى أن وصل إلى صدام مسلح مباشر وشامل في عهد الرئيس ترامب، وذلك لأول مرة في تاريخ العلاقات بين البلدين.
أما عداء النظام الإيراني للكيان الصهيوني فجسده قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع هذا الكيان ومنح مقر بعثته الدبلوماسية هدية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي اعترف بها ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، وذلك بعد أسابيع قليلة أيضاً من نجاح الثورة الإسلامية، ثم راح الصراع بين البلدين يدار بوسائل متباينة، لم تخلُ من صدام مسلح مباشر ولكن على نطاق محدود، إلى أن وصل إلى شكله الحالي، الذي تجسده حرب شاملة منسقة مع الولايات المتحدة.
لم تتطابق السياسات الأميركية والإسرائيلية تجاه إيران في جميع الأوقات، حيث ظهرت بينهما على الدوام فجوة كانت تضيق وتتسع حسب الأحوال، وصلت ذروة اتساعها في عهد أوباما الذي قام بالتوقيع على الاتفاق النووي عام 2015، ما أثار غضب رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي لم يتردد في مهاجمة الرئيس الأميركي من على منبر الكونغرس. ترامب هو الرئيس الأميركي الوحيد الذي تقلصت الفجوة في عهده إلى أن تلاشت تماماً، وهو الوحيد الذي زجّ بالولايات المتحدة للمشاركة مع “إسرائيل” في حرب شاملة ومباشرة على إيران، وذلك لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، الأمر الذي ستكون له انعكاسات خطيرة على مستقبل العلاقات الأميركية مع دول المنطقة.
أخلص من هذا الاستطراد إلى أن الصراع بين النظام الإيراني الحالي، من ناحية، وبين كل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، من ناحية أخرى، ليس وليد اليوم وإنما يعود إلى زمن سحيق يكاد يقترب من نصف قرن، ومن ثم فإن تطوره إلى صدام مسلح لا يشكل في حد ذاته مفاجأة لأحد، وبالتالي يفترض أن تكون إيران قد أعدت العدة لهذا الاحتمال واستعدت له جيداً. وربما يكون البعض قد فوجئ بتحالف الولايات المتحدة مع “إسرائيل” في حربين متتاليتين لصالح الأخيرة، الأولى: حرب الـ 12 يوماً التي اكتفت فيها الولايات المتحدة بمهمة تدمير المنشآت النووية الإيرانية، والثانية: الحرب الحالية التي تبوأت فيها الولايات المتحدة موقع القيادة. غير أن المفاجأة الأكبر هنا تكمن في صمود إيران في هذه الحرب غير المتكافئة، والتي اختلت فيها موازين القوة بشدة لغير صالحها. ثلاثة عوامل صنعت هذا الصمود غير المتوقع:
العامل الأول: قدرات إيران الذاتية، والتي تجلت بوضوح في تمكنها من مواصلة القتال حتى لحظة إعلان الهدنة، وبالتالي من إلحاق خسائر كبيرة لا بالجيش والبنى التحتية الإسرائيلية فحسب وإنما أيضاً بالقواعد العسكرية وبالمصالح الأميركية في المنطقة.
ما يلفت الانتباه هنا هو أن إيران تمكنت من بناء هذه القدرات الذاتية غير العادية، والتي مكنتها من تحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاعين حيويين هما: الغذاء والصناعات العسكرية، وذلك على الرغم من كل ما تعرضت له من عقوبات شديدة القسوة. ولولا هذا العامل لما تمكنت إيران من الصمود ولرفعت الراية البيضاء بسبب جسامة ما لحق بها من خسائر عسكرية ومدنية على حد سواء.
العامل الثاني: تماسك الشعب الإيراني والتفافه حول قيادته، وهو ما تجلى بوضوح طوال المعركة، خصوصاً عقب الإعلان عن اغتيال المرشد الأعلى للثورة ومعه معظم قيادات الصف الأول، السياسية منها والعسكرية. ولأن إدارة ترامب راهنت على حسم سريع للمعركة استناداً إلى معلومات غير دقيقة قدمها نتنياهو، تؤكد تحرك الشعب الإيراني لإسقاط النظام عقب سقوط معظم قياداته، فقد لعب هذا العامل دوراً رئيسياً في إفشال المخططات التي استند إليها قرار شن الحرب.
العامل الثالث: الإدارة الذكية لمضيق هرمز عقب إحكام السيطرة عليه، وهو ما تجلى بوضوح عبر الارتفاع الكبير في أسعار النفط ومواد أساسية أخرى، وأمدّ إيران بوسيلة مهمة للتأثير على الاقتصاد العالمي ككل لا على التوازنات الإقليمية فحسب، الأمر الذي ساعد على تعويض الخلل القائم في موازين القوى العسكرية وأجبر ترامب على القبول بوقف إطلاق النار والبحث عن مخرج.
حين بادر ترامب بطرح هدنة مؤقتة لمفاوضات تعقد في إسلام آباد، أعلن بوضوح موافقته على أن تجرى هذه المفاوضات استناداً إلى ورقة إيرانية ذات نقاط عشر تتضمن تسوية متوازنة للمسائل الخلافية، غير أنه سرعان ما تراجع عن تصريحاته وعاد ليتمسك بورقة أميركية تشتمل على 15 نقطة وتصر على استسلام إيراني كامل للمطالب الأميركية، ما أدى إلى فشل جولة مفاوضات عقدت بالفعل في إسلام أباد. ورغم ما تبذله باكستان من جهود مضنية لعقد جولة ثانية قبل انقضاء فترة الهدنة، إلا أن إصرار ترامب على عقد هذه الجولة في ظل حصار بحري شامل للموانئ الإيرانية يهدد هذه الجهود بالفشل. وحتى كتابة هذه السطور لم تكن قد ظهرت بعد مؤشرات توحي بأن هذه الجولة ستعقد بالفعل في أجواء تضمن لها النجاح، بل على العكس بدت الاحتمالات كافة تشير إلى أن استئناف القتال لم يعد أمراً مستبعداً.
تمسك إيران بأوراق تبدو أقوى بكثير من تلك التي يمسك بها ترامب، المحاصر بين مطرقة داخل أميركي يعارض حرباً عدوانية استدرجه إليها نتنياهو، وسندان خارج دولي يجسده نظام اقتصادي عالمي مختل ومعرض لمزيد من الاهتزازات بسبب إصرار ترامب على فرض هيمنة أحادية لم يعد يملك مقوماتها.







