مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: للموت حرمته..وللعلم دقته..مَن قتل ضياء العوضي؟

​لم أكن بحاجة إلى انتظار تقريرٍ نهائي لأدرك أن ما جرى يتجاوز خبر وفاة، ويتخطى حدود واقعة عابرة. مشهدٌ أثقل من أن يُختصر في سطر، وأعمق من أن يُفهم بقراءة سطحية. احترامًا للموت، لكني مراراً ما شهدت ذلك المشهد بنهايات مختلفة، واحترامًا للعلم، لا أدّعي تشخيصًا، ولا أوزّع أحكامًا. لكني أرصد مشاهدات فقط. وجع الإنسان علي فقد إنسان وحده هو ما يقود هذه الكلمات. فما رأيناه لم يكن سلوكًا عاديًا، ولا اندفاعًا عابرًا، بل صورة مؤلمة ومتكررة في حياتنا لحالة كان ينبغي أن تُقرأ بعين الطب، لا بعين التصفيق.

​الرجل، في تقديري، لم يكن بحاجة إلى جمهورٍ يصفق دون علم لما يجهل به، بل كان بحاجة إلى من يرفق به. لم يكن يحتاج من يوسّع دائرة الوهم والخوف في رأسه، بل من يضيّق عليه مساحات الظن. هنا يظهر الفارق القاسي بين مجتمعٍ يحترم العلم، وآخر يتسلّى بالمأساة حتى تبلغ نهايتها السوداء.

​بعض الاضطرابات النفسية لا تُرى من الداخل كما تُرى من الخارج. صاحبها لا يكذب بالضرورة، ولا يحتال بالضرورة، بل قد يكون مؤمنًا بما يقول إيمانًا كاملًا، يراه حقيقة لا تقبل الجدل. ويرى نفسه بطلًا وتلك هي المأساة: أن المريض لا يشعر دائمًا بمرضه، وأن ما يراه الناس خيالًا، يراه هو يقينًا مطلقًا. عند هذه النقطة يبدأ الامتحان الأخلاقي لمن حوله: تصفيق، بلا تعزيز، بلا نجدة.

​القسوة الحقيقية لا تسكن في المرض وحده، بل قد تسكن في البيئة التي تزيّن السقوط. بيئةٌ تدلّل الوهم، وتمنحه شرعية، وتُحيط صاحبه بسياجٍ من التصديق. هناك من لا يقتل بسكين، بل بإهمالٍ متكرر، وبتهوينٍ مستمر، وبمنح الهيبة لما كان يستدعي الإنقاذ.

​لا أكتب عن راحل، ولا قسوة عليه، بل دفاعًا عنه. الموت لا يجب أن يتحول إلى مناسبة لزيادة الظلم، والرحمة لا تكون بترديد الخرافة، بل بالاعتراف بأن الإنسان قد يمرض في نفسه كما يمرض في جسده، وأن إنقاذه يبدأ من الاعتراف، لا من الإنكار.

​قصة ضياء العوضي، أيًّا تكن تفاصيلها التي ستكشفها الأوراق، تبقى جرس إنذارٍ مدوٍّ. غياب العلم ليس فراغًا محايدًا، بل مساحة تمتلئ بالخرافة. لحظة يتحول فيها المحيطون بالمريض من خطوط نجدة إلى جوقة تمجيد وتصفيق، تصبح النهاية مؤجلة… لا أكثر.

​مأساة تتجاوز فردًا إلى مناخٍ كامل. مناخ يخلط بين المرض والرؤيا، وبين التجاوز والبطولة، وبين واجب العلاج ومتعة العبث. في مثل هذا المناخ، لا نموت من العلّة وحدها، بل من الطريقة التي ننظر بها إلى العلّة.

​رحم الله الراحل، وغفر له، وألهم محبيه الصبر. تعلّمنا هذه القصة درسًا قاسيًا: احترام الإنسان لا يكون بتركه لوهمه، بل بأخذه — برفقٍ وكرامة — إلى باب الحقيقة والعلاج.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى