
ليست حوادث انتحار الناجين من مراكز الاحتجاز مجرد وقائع فردية تُفسَّر في إطار هشاشة نفسية أو ظروف شخصية معزولة، بل هي تعبير صارخ عن فشل أعمق يتصل ببنية الدولة ومسارها في مرحلة ما بعد الانتهاكات. ففي الحالة السورية، لا يمكن فصل هذه الوقائع عن الاستمرار الفعلي لغياب عدالة انتقالية حقيقية، وهو غياب لا ينعكس فقط على مستوى المساءلة، بل يمتد ليطال جوهر حماية الضحايا وإعادة تأهيلهم. وهنا تحديدًا، يتحول الإهمال من خلل إداري إلى امتداد قانوني للانتهاك ذاته.
القانون الدولي لحقوق الإنسان واضح في هذا السياق. فبموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، لا يقتصر التزام الدولة على منع التعذيب أو معاقبة مرتكبيه، بل يمتد إلى ضمان إعادة تأهيل الضحايا بشكل كامل، بما يشمل الرعاية النفسية والطبية والاجتماعية. غير أن هذا الالتزام يفترض وجود إطار مؤسسي متماسك، وهو ما توفره عادة منظومات العدالة الانتقالية. وعندما تغيب هذه المنظومة أو تُفرَّغ من مضمونها، يصبح تنفيذ هذه الالتزامات أمرًا شكليًا أو غائبًا تمامًا.
في سوريا، لا يبدو أن العدالة الانتقالية قد تحققت بوصفها مسارًا متكاملًا، بل ظلت إما مؤجلة أو مجتزأة أو محكومة باعتبارات سياسية ضيقة. هذا الغياب لا يعني فقط تأخر كشف الحقيقة أو محاسبة الجناة، بل يؤدي مباشرة إلى إهمال أحد أهم أركان هذا المسار: جبر الضرر وإعادة التأهيل. ونتيجة لذلك، يُترك الناجون في مواجهة آثار التعذيب بمفردهم، دون دعم كافٍ أو اعتراف رسمي بمعاناتهم، وكأن الانتهاك لم ينتهِ بخروجهم من السجن.
هنا يتجلى مفهوم “الانتهاك المستمر” بأوضح صوره. فالقانون الدولي، كما كرّسته مبادئ الأمم المتحدة بشأن الحق في الانتصاف وجبر الضرر، يعترف بأن الانتهاكات الجسيمة، كالتعذيب، لا تنتهي عند لحظة وقوعها، بل تستمر ما دامت آثارها قائمة دون معالجة. وفي ظل غياب العدالة الانتقالية في سوريا، لا يتم فقط إهمال هذه الآثار، بل تُعاد إنتاجها ضمن سياق مؤسساتي جديد، ما يجعل الدولة، بصيغتها الحالية، شريكًا في استمرار الانتهاك، حتى وإن لم تكن هي من ارتكبه في صورته الأصلية.
هذا الواقع ينعكس بشكل مباشر على حياة الناجين. فالأضرار النفسية، مثل اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب الحاد، تحتاج إلى تدخل متخصص ومستدام، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون سياسات عامة واضحة وموارد مخصصة وإرادة سياسية جادة. وعندما تغيب هذه العناصر، لا يبقى الضرر في حدوده “الصامتة”، بل قد يتفاقم ليصل إلى نهايات مأساوية، كحالات الانتحار. في هذه اللحظة، لا يعود السؤال متعلقًا بالفرد فقط، بل بالبيئة القانونية والمؤسسية التي فشلت في حمايته.
إن استمرار غياب العدالة الانتقالية لا يؤدي فقط إلى إطالة أمد معاناة الضحايا، بل يقوّض أيضًا أي إمكانية لبناء ثقة حقيقية بين الدولة والمجتمع. فبدون اعتراف، ولا مساءلة، ولا جبر ضرر، تتحول العدالة إلى شعار فارغ، وتُختزل الدولة في دور المتفرج على آلام مواطنيها. والأخطر من ذلك أن هذا الغياب يفتح الباب أمام إعادة إنتاج أنماط الانتهاك، لأن غياب المحاسبة يضعف الردع، وغياب التأهيل يترك الضحايا في حالة هشاشة دائمة.
من هنا، فإن الربط بين ما نشهده اليوم من مآسٍ فردية، كحالات الانتحار، وبين غياب العدالة الانتقالية، ليس ربطًا سياسيًا أو عاطفيًا، بل استنتاج قانوني ومنطقي. فكل عنصر تم إغفاله في هذا المسار—من كشف الحقيقة، إلى المساءلة، إلى جبر الضرر—يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في إنتاج هذه النتائج. وبذلك، لا يمكن اعتبار هذه الحوادث طارئة أو معزولة، بل هي نتاج طبيعي لمسار لم يكتمل، وربما لم يبدأ أصلًا بالشكل الذي تقتضيه المعايير الدولية.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن نهاية الانتهاك في سوريا طالما أن العدالة الانتقالية لا تزال غائبة أو مشوهة. فالانتهاك لا يقاس فقط بالفعل الذي وقع في الماضي، بل بمدى استمرار آثاره في الحاضر. وإذا بقي الناجون دون دعم، ودون اعتراف، ودون عدالة، فإننا لا نكون أمام مرحلة “ما بعد الانتهاك”، بل أمام شكل جديد من استمراره، أكثر هدوءًا، لكنه لا يقل قسوة.







