ثقافة وفنونحدث في مثل هذا اليوم

شيخ الممثلين عبدالوارث عسر.. «زي النهارده» ذكرى رحيل “أستاذ الأداء” الذي طوع العلم للفن

تحل اليوم، الثاني والعشرين من أبريل، ذكرى رحيل الفنان القدير عبد الوارث عسر (1894 – 1982)، الذي لم يكن مجرد ممثل، بل كان مدرسة تمشي على قدمين، وأستاذاً في فن الإلقاء والتقمص. وفي ذكرى غيابه، نستعيد موقفاً يجسد مدى إخلاصه لمهنته واحترامه لوعي الجمهور، حينما قرر الذهاب إلى الطبيب لا طلباً للعلاج، بل طلباً لـ “سر الأداء الصادق”.

لماذا ضحك الجمهور في حضرة “أوديب”؟

في بداياته مع فرقة جورج أبيض عام 1917، شارك عبد الوارث عسر في مسرحية “أوديب” مجسداً دور راعٍ عجوز يبلغ من العمر 120 عاماً. وضع “عسر” لحية طويلة واصطنع رعشة شديدة في يديه وجسده وهو يتكئ على عكازه، ظناً منه أن هذا هو التجسيد المثالي للشيخوخة. لكن المفاجأة كانت في رد فعل الجمهور؛ فكلما دخل الخشبة في مشهد تراجيدي حزين، انفجر الصالة بالضحك!

لم يلقِ عبد الوارث عسر باللوم على الجمهور كما فعل زملاؤه، بل آمن بمقولته الشهيرة: «الجمهور هو المقياس والحكم العادل الحقيقي». أدرك أن هناك خللاً في “الصورة” التي يقدمها، وأن المبالغة في الرعشة واللحية الطويلة حولت المأساة إلى “كوميديا بصرية” (Comic Image).

استشارة طبية من أجل مشهد مسرحي

ذهب “عسر” إلى طبيب ودفع قيمة “التذكرة” ليسأله سؤالاً واحداً: «ما هي مظاهر الشيخوخة الحقيقية؟ وهل الرعشة شرط فيها؟».

أجابه الطبيب بأن الرعشة ليست حتمية، بل إن مظاهر الشيخوخة قد تظهر في “التصلب”، حيث تصبح الحركة ثقيلة وبطيئة، وكأن الجسد كله وحدة واحدة تتحرك بصعوبة.

عاد “عسر” إلى المسرح، قصّر اللحية، وتخلى عن الرعشة المصطنعة، واستبدلها بحركة “متصلبة” وهادئة توحي بالثقل والوهن الحقيقي. في تلك الليلة، لم يضحك الجمهور، بل ساد الصمت والأسى، ووصف الفنان الراحل تلك الليلة بأنها «أسعد ليلة في حياته»، لأنه انتصر للفن بالعلم والمنطق.

كاتب السيناريو الذي “تمرّد” على هيكل

لم تقتصر عبقرية عبد الوارث عسر على التمثيل، بل كان كاتباً فذاً للسيناريو. وحينما تصدى لكتابة فيلم “زينب” المأخوذ عن رواية الدكتور محمد حسين هيكل، اشترط على المؤلف الكبير أن يمنحه الحرية المطلقة في الحذف والإضافة وتغيير الشخصيات.

اندهش “عسر” من رد فعل هيكل الذي شجعه قائلاً: «إن لم تفعل ذلك فلا تكون سيناريست». وبالفعل، خلق عسر شخصية “عم سلامة” الشهيرة، وغير في بناء الأبطال، مما جعل العمل يخرج بصورة سينمائية مبهرة حازت إعجاب صاحب الرواية نفسه.

رحلة بدأت من الدرب الأحمر

وُلد عبد الوارث عسر في حي الجمالية بالقاهرة لأصول ريفية من محافظة البحيرة، ونشأ نشأة دينية حفظ خلالها القرآن الكريم، وهو ما منح لغته العربية رصانة وجزالة ميزته طوال مسيرته. رحل عن عالمنا في عام 1982، تاركاً إرثاً سينمائياً وتلفزيونياً ضخماً، ودرساً خالداً لكل فنان: أن الصدق في الأداء يبدأ من الفهم العميق للواقع، لا من المبالغة في المظاهر.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى