الدكتور رفعت المحجوب في مئوية ميلاده.. مدرسة الفكر الاقتصادي وشهيد الغدر

تحل اليوم، الثالث والعشرون من أبريل لعام 2026، الذكرى المئوية لميلاد واحد من ألمع العقول الأكاديمية والسياسية في تاريخ مصر الحديث، الدكتور رفعت المحجوب (1926 – 1990). ويمثل المحجوب نموذجاً فريداً للمثقف الموسوعي الذي زاوج بين قمة الهرم الأكاديمي وذروة العمل السياسي، قبل أن تنهال عليه رصاصات الإرهاب الأسود في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها حقبة التسعينيات، ليرحل تاركاً خلفه إرثاً من النزاهة الفكرية والانضباط التشريعي.
من “الزرقا” إلى “السوربون”.. رحلة التفوق العلمي
وُلد رفعت المحجوب في مدينة الزرقا بمحافظة دمياط عام 1926، وبدأ مسيرته بتفوق لافت، حيث حصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1948. ولم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل اتجه إلى فرنسا لينهل من مناهج جامعة باريس العريقة، حيث حصل على دبلومات الدراسات العليا في القانون والاقتصاد، وتوج رحلته بـ دكتوراه الدولة في الاقتصاد عام 1953. عاد المحجوب إلى مصر ليساهم في بناء كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، والتي تولى عمادتها عام 1971، مخرجاً أجيالاً من الكوادر التي قادت العمل الدبلوماسي والاقتصادي المصري.
رجل الدولة.. ثقة الرؤساء وأرفع الأوسمة
نظراً لكفاءته النادرة، حظي المحجوب بثقة الرؤساء الثلاثة (عبد الناصر، والسادات، ومبارك)؛ فمنحه الرئيس جمال عبد الناصر وسام العلوم والفنون عام 1963، وعينه الرئيس السادات وزيراً برئاسة الجمهورية ثم نائباً لرئيس الوزراء، بينما استقر به المقام رئيساً لـ مجلس الشعب في عهد الرئيس حسني مبارك منذ عام 1984 وحتى لحظة استشهاده. وعُرف المحجوب تحت قبة البرلمان بحزمه القانوني وقدرته على إدارة الحوار السياسي ببراعة الأستاذ الأكاديمي وحنكة السياسي المخضرم.
صباح 12 أكتوبر: الرصاص الذي استهدف قلب “المنصة الثانية”
في صباح يوم الجمعة 12 أكتوبر 1990، وقبيل رفع آذان الصلاة، كان موكب المحجوب يعبر كوبري قصر النيل في طريقه للقاء وفد برلماني سوري. وبشكل مباغت، ظهر أربعة إرهابيين على دراجات نارية، وأمطروا الموكب بوابل من الرصاص، مما أدى إلى استشهاد المحجوب وحرسه وسائقه. ورغم أن بعض الروايات الأمنية أشارت إلى أن المستهدف الحقيقي كان وزير الداخلية آنذاك اللواء عبد الحليم موسى، إلا أن اغتيال المحجوب شكل صدمة كبرى واعتُبر ثاني أكبر عملية اغتيال لمسؤول مصري بعد حادث المنصة عام 1981.
المحاكمة والعدالة.. كلمة الفصل في قضية “الجهاد”
أثارت القضية اهتمام الرأي العام العالمي والمحلي، وجرت محاكمة المتهمين المنتمين لجماعة “الجهاد الإسلامي” في جلسات ماراثونية انتهت في مايو 1993. وتنوعت الأحكام ما بين الأشغال الشاقة المؤبدة والمؤقتة لعدد من المتهمين، بينما حصل آخرون على البراءة، وتمت مصادرة الأسلحة والمفرقعات المضبوطة. ورغم رحيل المحجوب، إلا أن “النظرية الاقتصادية” التي وضعها ومبادئ العمل البرلماني التي أرساها تظل شاهدة على مئوية ميلاد رجل لم ينحنِ أمام العواصف، ودفع حياته ثمناً لاستقرار الدولة المصرية.
رحم الله الدكتور رفعت المحجوب، العالم الذي قتله الجهل، والسياسي الذي اغتاله الحقد، ليبقى اسمه منقوشاً في ذاكرة الوطن.







