في ذكرى ميلاده الـ 133.. الإمام الأكبر محمود شلتوت رائد التجديد وجسر المذاهب

تحل اليوم، الثالث والعشرون من أبريل، الذكرى الثالثة والثلاثون بعد المائة لميلاد الشيخ محمود شلتوت (1893 – 1963)، ذلك الإمام الذي لم يكن مجرد شيخ للأزهر، بل كان ثورة إصلاحية شاملة تحت عمامة الأصالة. يمثل شلتوت العقل التنويري الذي نجح في الموازنة بين الحفاظ على جوهر الشريعة وبين مقتضيات العصر، ليترك خلفه أزهراً متطوراً ومنفتحاً على العالم، ويستحق عن جدارة لقب “إمام التقريب” و”مطور العلوم”.
من بحيرة الإبداع إلى قمة المشيخة
وُلد الإمام في قرية “منية بني منصور” بمحافظة البحيرة عام 1893، وفي رحابه نشأ على مائدة القرآن حفظاً وتجويداً. شق طريقه العلمي بتفوق من معهد الإسكندرية وصولاً إلى شهادة العالمية عام 1918. ولم يكن شلتوت عالماً معتزلاً، بل كان “فقيهاً ثائراً”؛ إذ سجل التاريخ مشاركته القوية بلسانه وقلمه في ثورة 1919، مما عكس إيمانه بأن رجل الدين يجب أن يكون في طليعة المدافعين عن حرية وطنه.
أول “إمام أكبر” ومحرر تعليم الفتيات
دخل الشيخ محمود شلتوت التاريخ من أبوابه الواسعة بصفته أول من حمل لقب “الإمام الأكبر”، وهو اللقب الذي صار علماً على شيخ الأزهر حتى يومنا هذا. ولم تتوقف ريادته عند اللقب، بل كان صاحب قرار تاريخي وإنساني بفتح أبواب المعاهد الأزهرية للفتيات، إيماناً منه بحق المرأة في نهل العلوم الشرعية والعصرية جنباً إلى جنب مع الرجل، مما أحدث نقلة نوعية في بنية التعليم الأزهري.
قانون 1961: حين عانق الأزهر العلوم الحديثة
يُعد عام 1961 عاماً فاصلاً في تاريخ الأزهر بفضل جهود الشيخ شلتوت، حيث صدر في عهده قانون تطوير الأزهر، الذي أدخل الكليات العملية (كالطب والهندسة والزراعة) إلى أروقة الجامعة العريقة، لتصبح منارة تجمع بين علوم الدين والدنيا. كما ينسب إليه الفضل في تأسيس مجمع البحوث الإسلامية، الذي كان يحلم بأن يكون “برلماناً علمياً” ينقي التراث من البدع ويرد على الشبهات بروح العصر.
محامي الشريعة في المحافل الدولية
من المحطات المضيئة في حياته، مشاركته في مؤتمر لاهاي للقانون الدولي عام 1937. هناك، وقف العالم الأزهري ليعرض بحثاً عبقرياً عن “المسؤولية المدنية والجنائية في الإسلام”، فانتزع اعترافاً دولياً تاريخياً بأن الشريعة الإسلامية مصدر من مصادر التشريع العالمي، وبأنها شريعة حية قادرة على التطور ومواكبة النظم القانونية الحديثة.
رحيل في ليلة مباركة
بعد حياة حافلة بالاجتهاد في “فقه القرآن والسنة” والسعي الدؤوب للتقريب بين المذاهب الإسلامية، رحل الإمام في 13 ديسمبر 1963، عن عمر ناهز السبعين عاماً. ومن مفارقات القدر الجميلة أن وفاته كانت في ليلة الإسراء والمعراج، ليرحل في توقيت يفيض بالروحانية، كما كانت حياته تفيض بالعلم والنور.
رحم الله الإمام الأكبر محمود شلتوت، الذي جعل من الأزهر مؤسسة عالمية، ومن الشريعة منهاج حياة يجمع ولا يفرق.







