مقالات وآراء

د.سمير عبد العزيز يكتب: الأركيولوجي.. حارس الذاكرة في زمن الصراع على الحقيقة

لم يعد علم الآثار ـ أو الأركيولوجيا ـ ترفاً معرفياً يخص المتاحف والجامعات والبعثات العلمية فقط، بل صار واحداً من أخطر العلوم في زمننا الراهن؛ لأنه لا يشتغل على الحجارة الصامتة، بل على الذاكرة، والهوية، والشرعية، والسرديات المؤسسة للأمم. فكل قطعة أثرية، وكل نقش، وكل مدينة مطمورة، وكل عظمة بشرية مكتشفة في طبقة ترابية، يمكن أن تتحول من “دليل علمي” إلى “حجة سياسية”، ومن “شاهد تاريخي” إلى “ساحة صراع”.

الأركيولوجي، في جوهره، ليس مجرد باحث ينقب في الأرض، بل هو محقق في ذاكرة الإنسان. يقرأ ما تركته الحضارات حين صمتت النصوص، أو حين غابت الكتابة، أو حين كذب المنتصرون، أو حين أعاد الحكام صياغة الماضي بما يخدم حاضرهم. لذلك تبدو أهمية علم الآثار اليوم في أنه لا يكتفي بأن يقول لنا: “ماذا حدث؟”، بل يساعدنا على التمييز بين ما حدث فعلاً، وما أُريد لنا أن نعتقد أنه حدث.

العالم مهووس بالآثار، وهذا الهوس مفهوم. فالإنسان يريد أن يعرف من أين جاء، وكيف عاش أسلافه، وكيف نشأت المدن، وكيف ظهرت السلطة، والدين، والزراعة، والتجارة، والحرب، والفن، والكتابة. ولهذا السبب تُعد مواقع مثل “غوبكلي تبه” في جنوب شرق تركيا مثالاً بالغ الأهمية؛ إذ تشير اليونسكو إلى أن أعمدته الحجرية ذات الشكل T ونقوشه الغنية تمنحنا نافذة على تصورات ومعتقدات جماعات ما قبل التاريخ في أعالي بلاد الرافدين قبل نحو 11,500 عام، وهي بذلك تعيد طرح أسئلة كبرى حول نشأة التنظيم الاجتماعي والرمزي قبل المراحل الكلاسيكية للحضارة المكتوبة.

لكن الهوس بالآثار ليس بريئاً دائماً. هناك هوس معرفي نبيل يريد الفهم، وهناك هوس استحواذي يريد التملك، وهناك هوس أيديولوجي يريد إخضاع الماضي لسردية جاهزة. وهنا تبدأ خطورة الأركيولوجيا؛ لأنها قد تصبح علماً للتحرر من الزيف، أو أداة في يد من يريد صناعة زيف أكثر إقناعاً.

خذ مثلاً “حجر رشيد”، هو ليس مجرد حجر أثري شهير، بل مفتاح معرفي غيّر فهم العالم لمصر القديمة؛ إذ يوضح المتحف البريطاني أن الحجر اكتُشف عام 1799 قرب رشيد أثناء الحملة الفرنسية على مصر، وأنه ضم نصاً بثلاث كتابات، ما جعله محورياً في فك رموز الكتابة المصرية القديمة.

لكن هذا الأثر نفسه صار أيضاً رمزاً لنقاشات أعقد: من يملك التراث؟ هل يكفي أن تحفظ المتاحف الكبرى الآثار كي تبرر بقاءها خارج بلدانها الأصلية؟ أم أن الذاكرة الحضارية لها حق أخلاقي وسيادي في العودة؟ هنا لا يكون الأثر حجراً فقط، بل سؤالاً عن القوة والمعرفة والاستعمار والإنصاف التاريخي.

ومن جهة أخرى، يكشف تدمير الآثار أن الاعتداء على الماضي قد يكون شكلاً من أشكال الحرب على الحاضر. في مدينة “تدمر السورية”، أدانت اليونسكو تدمير معالم أثرية مهمة، ومن بينها التترابيلون وأضرار لحقت بالمسرح الروماني، مؤكدة أن صور الأقمار الصناعية وتقارير متخصصة وثقت حجم الدمار. لم يكن تدمير تدمر مجرد عمل تخريبي ضد حجارة قديمة، بل محاولة لمحو طبقات كاملة من ذاكرة المنطقة، وقطع الصلة بين الإنسان وماضيه المتعدد، وإعلان أن العنف لا يريد السيطرة على الأرض فقط، بل يريد احتكار الزمن أيضاً.

لهذا السبب، يصبح الأركيولوجي علماً استراتيجياً. فهو يدخل في صميم الأمن الثقافي، والسيادة الوطنية، والعدالة التاريخية. فالاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية ليس جريمة هامشية؛ إذ تؤكد اليونسكو أن سرقة ونهب وتهريب الممتلكات الثقافية تحرم الشعوب من تاريخها وثقافتها، وتضعف التماسك الاجتماعي، وقد تسهم في تمويل الجريمة المنظمة والإرهاب. وهذه العبارة تكشف لنا أن حماية الآثار ليست مهمة وزارة ثقافة فقط، بل شأن أمني وقانوني واقتصادي ودبلوماسي.

الأركيولوجيا مهمة أيضاً لأنها تزعج الروايات الكسولة. فكثير من الأمم تحب أن ترى نفسها في صورة نقية، مستقيمة، مكتملة، لا تناقض فيها ولا اختلاط. لكن الأرض لا تجامل أحداً. والحفريات تكشف أن الحضارات لم تكن جزرًا مغلقة، بل شبكات من التفاعل والتأثر والتجارة والهجرة والصراع والتزاوج الثقافي، كما تكشف أن الهوية ليست قالباً جامداً، بل نهر طويل متعدد الروافد. ومن هنا يخاف المتعصبون من الآثار؛ لأنها غالباً ما تقول إن النقاء المطلق أسطورة، وإن الحضارة الإنسانية بنيت بالتراكم لا بالعزلة.

كما أن علم الآثار يفضح التزييف حين يُمارس باسم السياسة أو القومية أو السوق. فهناك من ينتقي من الماضي ما يخدم مشروعه، ويخفي ما يناقضه. وهناك من يبالغ في تأويل نقش أو موقع أو اكتشاف ليمنح نفسه شرعية أقدم، أو حقاً سياسياً أوسع، أو تفوقاً حضارياً متوهماً. وهنا تظهر قيمة المنهج العلمي: التأريخ بالكربون المشع، وتحليل الطبقات الأرضية، ودراسة المواد، وفحص الحمض النووي القديم، والمقارنة النصية، وتقنيات الاستشعار عن بُعد، والتوثيق الرقمي. فكلما تطورت أدوات الأركيولوجيا، ضاقت مساحة الخرافة، لكن في الوقت نفسه زادت شراسة المعارك حول نتائجها.

ومن المتوقع أن يصبح علم الآثار في المستقبل محوراً أكبر للصراع؛ لأن العالم يدخل مرحلة تتداخل فيها التكنولوجيا مع الذاكرة. الذكاء الاصطناعي سيعيد بناء المدن القديمة بصرياً، والمسح ثلاثي الأبعاد سيحفظ المواقع المهددة، وتحليل الجينوم القديم سيعيد قراءة الهجرات البشرية، وصور الأقمار الصناعية ستكشف مواقع مطمورة أو نهباً غير مرئي. لكن هذه الأدوات نفسها قد تُستخدم للتلاعب: صور مزيفة، إعادة بناء منحازة، خرائط انتقائية، وسرديات بصرية تجعل الخيال يبدو وكأنه حقيقة موثقة. لذلك سيزداد احتياجنا إلى الأركيولوجي المهني، لا بوصفه منقباً فقط، بل بوصفه ضابط جودة للحقيقة التاريخية.

إن القيمة الكبرى للأركيولوجيا أنها تعلّمنا التواضع. فكل حضارة ظنت أنها أبدية تركت وراءها أطلالاً. وكل قوة اعتقدت أنها تملك الحاضر اكتشفت أن الزمن أطول من الجيوش والحدود والأنظمة. لكن الآثار لا تقول لنا إن الماضي كان أجمل دائماً؛ بل تقول إن الإنسان كان دائماً باحثاً عن معنى، وعن أمن، وعن سلطة، وعن جمال، وعن خلود مستحيل.

ومن هنا، فإن حماية الآثار ليست حنيناً رومانسياً إلى القديم، بل استثمار في وعي المستقبل. فالأمة التي تحترم آثارها لا تعبد الماضي، بل تتعلم منه. والدولة التي تحمي تراثها لا تحفظ الحجارة فقط، بل تحفظ حق أجيالها القادمة في أن تعرف الحقيقة. والجامعة التي تدرّس الأركيولوجيا لا تخرّج باحثين في التراب، بل تخرّج حراساً للذاكرة العامة.

في النهاية، سيظل الصراع على الآثار صراعاً على سؤال أعمق: من يملك حق تفسير الماضي؟ هل يملكه الباحث، أم الدولة، أم السوق، أم المنتصر، أم صاحب الأرض، أم الإنسانية كلها؟ ربما لا توجد إجابة سهلة. لكن المؤكد أن غياب الأركيولوجيا العلمية يترك الماضي فريسة للأسطورة، والنهب، والتسييس، والتطرف.

لذلك، فإن دور الأركيولوجي اليوم لم يعد أن يخرج الآثار من تحت الأرض فحسب، بل أن يخرج الحقيقة من تحت ركام التشويه. فهو حارس ذاكرة، ومحقق حضاري، ومقاوم صامت ضد النسيان. وفي عالم يتصارع على المستقبل، سيظل من يملك القدرة على قراءة الماضي أقدر على فهم الحاضر، وربما أقدر على حماية الغد.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى