مقالات وآراء

عدنان الصباح يكتب: عالم من الحروب.. لا حرب عالمية


لم يعد العالم كما كان، ولم يعد ممكناً تفسير ما يجري فيه من خلال أدوات التحليل التقليدية التي تفترض أن الحروب تبدأ وتنتهي، وأن الصراعات تُدار ضمن خرائط مستقرة وحدود واضحة. فالمشهد الدولي اليوم لم يعد يُنتج “حرباً عالمية” واحدة بالمعنى الكلاسيكي، بل بات يُنتج بنية أكثر تعقيداً: عالم من الحروب المتداخلة والمستمرة، تتوزع بين قارات عدة دون أن تتجمع في لحظة واحدة أو عنوان نهائي واحد.

إننا أمام تحوّل بنيوي في طبيعة النظام الدولي نفسه؛ من نظام يقوم على توازنات واضحة نسبياً، إلى نظام يعمل عبر صراعات دائمة منخفضة أو مرتفعة الشدة، تتقاطع فيها الجغرافيا مع الاقتصاد، والتكنولوجيا مع الأيديولوجيا، والقوة الصلبة مع القوة الناعمة، في شبكة واحدة لا تنفصل فيها الجبهات عن بعضها البعض. وفي هذا السياق، لا يمكن فهم ما يجري إلا باعتباره انتقالاً من منطق الحرب العالمية إلى منطق حرب النظام العالمي، حيث تصبح الحرب حالة مستمرة لا حدثاً استثنائياً.

من الحرب العالمية إلى حرب النظام العالمي:

ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في حرب واحدة، بل في حالة صراع عالمي مفتوح. أوروبا مشتعلة بحرب روسية–أوكرانية أعادت إحياء منطق التوازنات العسكرية القديمة، والشرق الأوسط يعيش تعدد طبقات من الصراعات الإقليمية والدولية، وشرق آسيا يقف على حافة مواجهة محتملة حول تايوان وبحر الصين الجنوبي، فيما تتحول أفريقيا إلى ساحة تنافس صامت على الموارد والممرات والنفوذ.

هذا التشظي ليس عرضاً طارئاً، بل مؤشر على انتقال العالم من منطق الحرب المحدودة إلى منطق إدارة الصراع المستمر، حيث لا توجد نهاية واضحة، بل إعادة إنتاج دائمة للتوترات ضمن مستويات مختلفة.

إمبريالية المعرفة… الشكل الجديد للإمبراطورية:

في عمق هذا التحول، تتشكل بنية جديدة يمكن وصفها بـإمبريالية المعرفة. وهي ليست إمبراطورية تقليدية تقوم على الاحتلال العسكري المباشر، بل منظومة عالمية واحدة تتداخل فيها أدوات المال والقوة والتكنولوجيا والإعلام والبيانات والذكاء الاصطناعي، بحيث تصبح المعرفة نفسها مركز الثقل في السيطرة.

في هذه الإمبريالية لا تُدار الدول فقط عبر الجيوش، بل عبر تدفق المعلومات، ولا تُحسم الصراعات في ميادين القتال وحدها، بل في الفضاء الرقمي والاقتصادي والإعلامي، ولا تُفرض الهيمنة بالقوة فقط، بل بإعادة تشكيل الإدراك الجمعي للعالم. وهكذا يتحول العالم إلى بنية نفوذ غير معلنة، متعددة المراكز شكلياً، لكنها تعمل بمنطق واحد قائم على السيطرة عبر الوعي قبل الأرض.

الدين في قلب الصراع… بين شرعنة المصالح والإيمان الروحي:

في هذا السياق المعقد، يعود الدين إلى مركز المشهد العالمي، ولكن بوظيفتين متداخلتين ومتناقضتين في الظاهر، متكاملتين في الأثر.

في الاستخدام الأول يتحول الدين إلى أداة شرعنة سياسية، يُستدعى لتبرير السياسات والصراعات، وتعبئة المجتمعات، وإعادة تعريف العدو والحليف، وتحويل المصالح الجيوسياسية إلى قضايا مقدسة أو مهام تاريخية. وهنا يصبح الدين جزءاً من بنية القوة، يُستخدم لتثبيت الواقع لا لتجاوزه.

وفي الاستخدام الثاني يظهر الدين كإيمان ووعي مطلق، بوصفه منظومة قيم تتجاوز الحسابات المادية المباشرة، ومرجعية وجودية تمنح معنى للصراع والإنسان والتاريخ. غير أن هذا البعد الروحي، رغم طبيعته المتجاوزة للمادة، لا يبقى خارج التاريخ، بل يتحول في كثير من الحالات إلى قوة فاعلة تنتج نتائج سياسية ومادية على الأرض، عبر تشكيل حركات وصراعات وإعادة رسم خرائط النفوذ.

وبذلك يصبح الدين في الحالتين جزءاً من الفعل التاريخي العالمي، سواء جرى توظيفه كأداة أو جرى التماهي معه كإيمان.

أوروبا… حرب إعادة هندسة التوازنات:

الحرب الروسية–الأوكرانية لم تكن مجرد نزاع حدودي، بل لحظة إعادة فتح كاملة لسؤال النظام الدولي. فهي تعكس صراعاً أوسع بين محاولة الحفاظ على نظام أحادي القطبية، وبين محاولة فرض تعددية قطبية جديدة.

وقد أدت هذه الحرب إلى إعادة عسكرة أوروبا، وإعادة تعريف مفهوم الأمن الجماعي، وتعميق تبعية القارة للطاقة والسلاح والأسواق الخارجية، وتحويلها إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد. وبذلك لم تعد أوروبا مركز قرار مستقل بالكامل، بل جزءاً من صراع أكبر على إعادة تشكيل النظام العالمي.

الشرق الأوسط… مركز التداخل الأعلى كثافة:

في الشرق الأوسط لا يوجد صراع واحد، بل طبقات متراكبة من الحروب السياسية والطائفية والجيوسياسية والاقتصادية والأمنية. من فلسطين إلى الخليج، ومن المشرق إلى الممرات البحرية الحيوية، تتقاطع مشاريع دولية وإقليمية في مساحة واحدة.

وتتحول المنطقة إلى ساحة اختبار لمعادلة جديدة تقوم على إدارة الصراع أكثر من حسمه، عبر الوكلاء والعقوبات والإعلام والاقتصاد والدين. وفي قلب هذا المشهد يتداخل البعد الديني بشكل متزايد، ليس فقط كعامل تعبئة، بل كجزء من تعريف الصراع وإعادة صياغته.

شرق آسيا… الصراع المؤجل الذي قد يغيّر العالم:

شرق آسيا يمثل أكثر بؤر التوتر حساسية في النظام العالمي. فالتوتر حول تايوان والتنافس في بحر الصين الجنوبي لا يرتبطان بالجغرافيا وحدها، بل بالصراع على التكنولوجيا المتقدمة وسلاسل الإمداد ومراكز الإنتاج والهيمنة الاقتصادية المستقبلية.

أي انفجار في هذه المنطقة لن يبقى إقليمياً، بل سيعيد تشكيل الاقتصاد العالمي بالكامل.

أفريقيا… ساحة النفوذ الصامت:

تتحول أفريقيا تدريجياً إلى ساحة صراع أقل صخباً وأكثر عمقاً. فالقارة بما تمتلكه من موارد ومعادن وموقع استراتيجي أصبحت محوراً لتنافس طويل الأمد بين القوى الكبرى.

وتدار الصراعات فيها عبر أدوات غير مباشرة تشمل دعم الأطراف الداخلية، والاستثمارات الاستراتيجية، والتدخلات الأمنية غير المعلنة، بما يجعلها مخزون المستقبل للصراع العالمي القادم.

ترابط الجبهات… نظام صراع واحد متعدد المستويات:

ما يميز المرحلة الحالية أن الحروب لم تعد منفصلة، بل مترابطة وظيفياً. فما يجري في أوروبا يؤثر في الطاقة والغذاء، وما يحدث في الشرق الأوسط ينعكس على الاستقرار السياسي والاقتصادي، وما يتشكل في شرق آسيا يعيد تعريف الاقتصاد العالمي، فيما تبقى أفريقيا ساحة الموارد والمجال المفتوح للمنافسة.

إنها ليست جبهات مستقلة، بل نظام صراع واحد متعدد الطبقات.

من الحرب المنفردة إلى حرب الحالة الدائمة:

في هذا السياق يتراجع مفهوم الحرب العالمية لصالح مفهوم أكثر عمقاً: الحرب كحالة دائمة. حروب مباشرة حين تفرض الضرورة، وحروب بالوكالة حين تسمح الظروف، وحروب اقتصادية ومعرفية وإعلامية تُخاض يومياً دون إعلان.

تفكيك القانون الدولي وإعادة توظيف الممرات الاستراتيجية

إن ما يجري في المنطقة، سواء عبر التصعيد المرتبط بإيران والقوى المتحالفة معها، أو من خلال التوترات المتصلة بمضيق هرمز، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تطور عسكري أو أمني عابر، بل يبدو أقرب إلى محاولة منهجية للقفز على ما تبقى من بنية القانون الدولي. فبعد أن تعرّض هذا القانون لتآكل عميق – خصوصًا في ظل ما شهدته الحرب على غزة من تجاهل لمفاهيم القانون الإنساني الدولي واتفاقيات جنيف وسائر المرجعيات القانونية – اتت الساحة الدولية أقرب إلى فضاء مفتوح تُعاد فيه صياغة القواعد وفق موازين القوة لا النصوص.

ضمن هذا السياق، تتحول أزمة مضيق هرمز إلى نموذج قابل للتكرار، لا إلى حالة استثنائية. فإطلاق اليد في هذا الممر الحيوي يفتح الباب أمام منطق مماثل في مضائق وممرات استراتيجية أخرى، مثل ملقا وجبل طارق، بما يعني عمليًا نقل الصراع من حدود الدول إلى شرايين الاقتصاد العالمي ذاته.

ولا يقف الأمر عند حدود الجغرافيا، بل يمتد إلى إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية العالمية. إذ إن تعطيل أو تهديد هذه الممرات من شأنه أن يضرب الكتل الاقتصادية الكبرى المعتمدة على كثافة اليد العاملة، وفي مقدمتها الهند والصين، عبر رفع كلفة الإنتاج وإرباك سلاسل الإمداد، ما يؤدي إلى إضعاف قدرتها التنافسية. وفي المقابل، يمنح ذلك أفضلية للنموذج الاقتصادي القائم على المعرفة والتكنولوجيا، الذي تملكه وتديره قوى بعينها.

بهذا المعنى، لا تبدو هذه الصراعات مجرد نزاعات جيوسياسية، بل أدوات ضمن عملية أوسع لإعادة صياغة النظام العالمي، حيث يُعاد تعريف القوة بوصفها مزيجًا من السيطرة العسكرية والهيمنة الاقتصادية والقدرة على تشكيل الوعي. إنها محاولة للانتقال من عالم تحكمه قواعد – حتى وإن كانت مختلة – إلى عالم تُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق القوة المجردة، حيث يصبح التحكم بالمادة والوعي، وبأبعادهما المادية والروحية، جزءًا من مشروع أوسع لإخضاع العالم لإرادة المال المتسلح بالقوة.

أخيرا، لا يبدو أن العالم يتجه نحو حرب عالمية واحدة، بل نحو واقع أكثر تعقيداً: عالم من الحروب التي لا تنتهي، لأن بنيتها لم تعد مرتبطة بلحظة اندلاع أو توقف، بل بمنظومة دائمة لإعادة تشكيل النظام الدولي.

وفي قلب هذا العالم تبقى الأسئلة مفتوحة: هل تكرّس “إمبريالية المعرفة” منطق السيطرة الشاملة؟ أم أن الوعي الإنساني، بأبعاده الروحية والأخلاقية، قادر على إعادة تعريف معنى القوة وإنتاج توازن مختلف؟

بين هذين الاحتمالين يتحدد مستقبل العالم، لا بوصفه لحظة فاصلة بين حرب وسلام، بل كمسار طويل من إعادة إنتاج الصراع ذاته. فالعالم لا يبدو متجهاً نحو حرب عالمية واحدة تُحسم وتنتهي، بل نحو حالة ممتدة من الحروب المتداخلة التي تُعيد تشكيل الجغرافيا والسياسة والاقتصاد والوعي في آن واحد، دون نقطة نهاية واضحة أو استقرار نهائي.

إنه عالم لا يُحسم فيه الصراع مرة واحدة، بل يُدار ويُعاد إنتاجه باستمرار، إلى أن تنتصر رؤية على أخرى، أو تتعب الرؤى جميعها من صدامها المفتوح. وفي هذا الأفق غير المكتمل، يظل السؤال الجوهري معلقاً: أي معنى سيحكم العالم في النهاية؟

فمن جهة، هناك من يرى أن مسار التاريخ لا يكتمل إلا في إطار إرادة تتجاوز المادة، إرادة الروح والقيم والمعنى، حيث يُعاد تعريف القوة باعتبارها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قدرة على السيطرة.

ومن جهة أخرى، هناك من يرى أن العالم محكوم بمنطق آخر أكثر صلابة وواقعية، حيث تتجسد الإرادة في تراكم المال، وفي هندسة النفوذ، وفي القدرة على تحويل المعرفة والتكنولوجيا إلى أدوات هيمنة، وكأن “الرب” في هذا التصور ليس إلا صورة مكثفة لقوة الاقتصاد حين تبلغ أقصى درجاتها.

وبين هذين التصورين المتوازيين، لا يُحسم المستقبل كمعادلة بسيطة، بل كصراع طويل على تعريف المعنى ذاته: هل الإنسان محكوم بنداء روحي أعلى يتجاوز المادة، أم أنه محكوم بمنطق القوة حين تتجرد من أي حدود أخلاقية؟

وهكذا، لا ينتهي العالم إلى إجابة واحدة، بل يبقى معلقاً بين رؤيتين تصنعان التاريخ معاً، وتتنازعان على صياغة الغد. عالم لا يُختصر في حرب واحدة، بل في حروب مستمرة، وفي انتظار دائم لعالم جديد لم تتحدد ملامحه بعد، سوى أنه سيولد من قلب هذا التوتر المفتوح بين إرادة الرب الروح وإرادة الرب المال.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى