
في خضم النزاعات، تميل بعض المقاربات السياسية إلى البحث عن “تسويات” سريعة، تُغلَّف بخطاب الواقعية وتُقدَّم بوصفها مخرجًا من دوامة العنف. غير أن هذا المنطق يصطدم مباشرة بجوهر القانون الدولي حين يتعلق الأمر بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، كما في سياق ماحصل في سوريا. فهذه الجرائم، بطبيعتها وخطورتها، لا تُعد مجرد انتهاكات قابلة للتسوية، بل اعتداءات جسيمة على منظومة القيم الإنسانية والقانونية العالمية.
القانون الجنائي الدولي يقوم على مبدأ أساسي: لا إفلات من العقاب. هذا المبدأ لا يُعد خيارًا سياسيًا، بل التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا. فمحاولات “تسوية” أوضاع المتورطين في جرائم جسيمة—سواء عبر العفو، أو غضّ الطرف، أو إدماجهم دون مساءلة—تصطدم مع التزامات الدول في التحقيق والملاحقة والمعاقبة. ولا يقتصر الأمر على الدول المعنية مباشرة، بل يمتد إلى المجتمع الدولي الذي يملك، عبر مبدأ الولاية القضائية العالمية، صلاحيات ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم أينما وجدوا.
التجارب المقارنة تُظهر بوضوح أن التسويات التي تتجاوز المساءلة لا تُنتج استقرارًا مستدامًا، بل تؤسس لدورات جديدة من العنف. عندما يشعر الضحايا بأن حقوقهم تم التنازل عنها، أو أن الجناة عادوا إلى الحياة العامة دون محاسبة، فإن ذلك يقوّض الثقة في مؤسسات الدولة ويُضعف فرص المصالحة الحقيقية. العدالة هنا ليست عائقًا أمام السلام، بل شرطًا له.
من منظور العدالة الانتقالية، لا تعني العملية بالضرورة الانتقام أو العقاب الأقصى، لكنها ترفض بشكل واضح شرعنة الإفلات من العقاب. يمكن أن تتنوع الأدوات بين المحاكمات، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، لكن القاسم المشترك بينها هو الاعتراف بالانتهاك ومساءلة مرتكبيه. التسويات التي تتجاهل هذا البعد تتحول إلى غطاء قانوني هش، سرعان ما ينهار أمام مطالب الضحايا وحقهم في العدالة.
كما أن شرعنة التسويات في هذا السياق تطرح إشكالية قانونية تتعلق بعدم قابلية بعض الجرائم للتقادم أو العفو. فجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية تُعد من أخطر الجرائم في القانون الدولي، ولا يمكن إطفاء المسؤولية عنها بقرارات إدارية أو سياسية داخلية. أي محاولة من هذا النوع تبقى عرضة للطعن، سواء أمام المحاكم الوطنية في دول أخرى أو أمام هيئات دولية مختصة.
إلى جانب ذلك، فإن كسر منطق التسويات غير القانونية يُعد شرطًا أساسيًا لاستعادة ثقة المجتمع الدولي. فالتعاون القضائي، والدعم التقني، وتمويل برامج العدالة الانتقالية، كلها ترتبط بمدى جدية الدولة أو الأطراف المعنية في احترام المعايير الدولية، وعلى رأسها مبدأ المحاسبة. التسويات التي تمنح حصانة فعلية للمتورطين قد تعرقل هذا التعاون، بدل أن تسهّله.
في المحصلة، لا يمكن بناء سلام مستدام على أساس تسويات تُهمل العدالة. كسر هذه التسويات لا يعني تعطيل المسار السياسي، بل تصحيحه. فالعدالة ليست ترفًا يمكن تأجيله أو الالتفاف عليه، بل هي البنية التي يقوم عليها أي نظام يسعى إلى تجاوز ماضيه دون أن يكرره. وفي قضايا بهذا الحجم، لا تكون الشرعية لمن يفرض التسوية، بل لمن يلتزم بالقانون ويحفظ حق الضحايا في الحقيقة والمساءلة.







