ناجي الكرشابي يكتب: أمجد يوسف… وحكاية ملامحٍ سورية بريئة؟!

دمعت عيناي وأنا أشاهد فيديو يظهر فيه شخص يدعي أمجد يوسف، وقع في قبضة الأمن العام في سوريا، كان خائفاً مرتعداً، تكسوه ملامح ربانية بريئة. ذهبت مباشرة إلى التعليقات التي كنت أظنها تكتظ بالدعوات له وتطالب بإطلاق سراحه، لكنني فوجئت بحجم الفواجع فيها، والتي تحكي قصة مؤلمة لعشرات الأبرياء، حقاً وحقيقة… تحكي عن مجزرة بشعة تقشعر لها الأبدان، ارتُكبت قبل 14 عاماً في حي التضامن بدمشق إبان حكم Bashar al-Assad، فسارعت أبحث عن تفاصيلها.
وهنا، تحول المشهد عندي من “بريء خائف يترقب” إلى صورة كاملة، صادمة، مكتملة القسوة: سفاح مجرم كان يتلذذ بدماء العشرات من الأبرياء، وهو يلقي بهم أحياء في حفرة كبيرة، ثم يطلق عليهم النار، ببرودٍ لا يُصدق، وبضحكة هستيرية تقطع نياط القلب، مردداً عبارته المشؤومة: “لعيون المعلم”… عبارة تختصر جريمة، وتكشف ذهنية، وتفضح ولاءً أعمى لا يرى في الإنسان إنساناً.
مما يعني أن لا تهمة لهؤلاء البتة… فقط قدمهم قرابين لرضا معلمه، قرابين بشرية على مذبح الطغيان.
اليوم، نرى “المعلم” الذي قتلتَ لأجله، ينام في قصوره، يحيط نفسه وأسرته برغد العيش، بينما أنت تقع في شر أعمالك، وحيداً، منبوذاً، ومحاصراً بالخزي والعار، لا سند لك ولا ظهير… كأنك لم تكن إلا أداة وانتهى دورها.
هذه رسالة… ورب الكعبة، رسالة لكل من ظن أن “الأوامر” صك غفران للقتل، ولكل من توهم أن “السلطة” درعٌ يحميه من دموع الأمهات وأنين الضحايا. انظروا جيداً إلى مصير هذا الذي ظن نفسه في مأمن.
الفرعون لا يحمي جنوده؛ يستخدمهم كمناديل ورقية، يمسح بها دماء ضحاياه، ثم يلقي بهم في أقذر سلة للتاريخ حين تنتهي صلاحيتهم، بلا وفاء، بلا رحمة، بلا ذاكرة.
قد تفر من مدينة إلى أخرى، قد تختبئ، قد تغيّر ملامحك، وقد تظن أن السنين كفيلة بمسح أثر الجريمة… ولكن هل تمحى الدماء؟ هل تُنسى الصرخات؟ هل تصمت الأرض التي شربت الألم؟!
دماء شهداء حي التضامن لم تجف… والأرض لا تنسى.
قد تأتي العدالة متأخرة… نعم، لكنها لا تضل طريقها أبداً، ولا تخطئ بابها.
وإن خبر القبض على هذا السفاح، المرتبط بـ مجزرة التضامن، جرس إنذار، عميق، مدوٍ، يتردد صداه في كل مكان.







